Ad image

الوزارة المفقودة ! اقتراح برسم التنفيذ

dawoud
7 Min Read

وكالة تليسكوب الاخبارية

على مكتب دولة رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان

مشروع وزارة السعادة والرفاه و “الفرفشة” الوطنية!

دولة رئيس الوزراء،

لا أكتب إليكم من موقع السخط، ولا من مقاعد المعارضة، ولا بدافع السخرية العابرة التي تُستهلك ثم تُنسى، بل أكتب بصفتي شاهدًا على مفارقة أخلاقية نادرة: عالمٌ قرر أن يحوّل السعادة إلى مؤشر استراتيجي، ثم التفت إلينا، نحن الواقفين في ذيل الجدول، وسأل ببرود تقني لا يعرف المزاح:

لماذا لم تبتسموا بما يكفي؟!

ليس لأننا فشلنا في الحياة،

بل لأننا فشلنا في إقناع الاستبيان!

في هذا العالم، يبدو أن السعادة لم تعد حالة إنسانية عابرة، بل بندًا إداريًا!

ولم تعد نتيجة، بل واجبًا!

ومن لا يبتسم بما يكفي، لا يُفهم… بل يُصنَّف!

حين تُصنَّف الدول كما تُصنَّف الفواكه، وحين يُختزل الإنسان إلى ستة متغيرات قابلة للعدّ؛ يصبح الفرح وحدة قياس، ويغدو الحزن شبهة، وتتحول “الكشرة الأردنية” من تعبير ثقافي متراكم إلى قرينة إدانة!

مع أنها، في حقيقتها، ليست عداءً ولا عبوسًا، بل شكل قديم من الجدية، ووسيلة دفاع تعلّمناها عبر تاريخ طويل من الطوارئ المؤجلة، وندرة الموارد، ومن حياة أُجبرنا فيها أن نرفع الكلفة ونخفض الصوت!

نحن، يا دولة الرئيس، شعبٌ يبدو مكشّرًا حتى في لحظة الرضا!

لا لأننا لا نعرف الفرح، بل لأن الفرح عندنا فعل ثقيل، مسؤول، لا يُصرف بلا سبب، ولا يُعلن قبل أن يطمئن القلب!

نضحك متأخرين!

نبتسم بعد التأكد!

ونحتفل بحذر، كأن التاريخ يقف خلفنا ممسكًا بدفتر ملاحظات!

وهذه الصفات، للأسف، لا تظهر في الرسوم البيانية، ولا تحصد نقاطًا في مؤشرات السعادة العابرة للقارات!

ومع ذلك، يُقال لنا بهدوء علمي بارد:

أنتم غير سعداء بما يكفي!

هنا، لا يصح الدفاع!

الدفاع لغة الضعفاء في نظام لا يسمع إلا الأرقام!

ولا يجدي التبرير، ولا ينفع الشرح الثقافي المطوّل!

هنا، يصبح الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة ضرورة سيادية:

من سؤال “لماذا تأخرنا؟”

إلى سؤال أكثر وقاحة ونضجًا:

كيف ندير هذا التأخر؟!

وكيف نحوّل النتيجة إلى سياسة، والمؤشر إلى فرصة، والنكد المتراكم إلى مورد وطني غير مُستغل؟!

ومن هنا، يولد الاقتراح الوحيد المنطقي في عالم فقد منطقه:

استحداث وزارة سيادية للسعادة والرفاه و”الفرفشة” الوطنية!

لا لتُسعد الناس – حاشا لله-!

بل لتنظيم علاقتهم مع الشعور!

لترشيد الفرح!

لتدوير القلق!

ولإعادة تعريف التعب اليومي بوصفه “مؤشرًا يحتاج متابعة”، لا حالة إنسانية تُعاش!

وزارة لا تعالج الواقع، بل تعالج الانطباع عنه!

لا تخفف الألم، بل تشرحه!

ولا ترفع الظلم، بل تضعه في تقرير مُنمّق مع توصيات!

وإن بدا الاقتراح ثقيلًا على الموازنة، أو مربكًا دستوريًا، أو مستفزًا للمنطق، فالحل معروف، ووطني، ومجرَّب، وشعبي:

هيئة مستقلة للسعادة، لا تتبع وزارة، ولا تُلغى، ولا تُحاسَب… لكنها تحس!

وتحس كثيرًا!

مهمتها الأولى إعادة تعريف ترتيب الأردن المتأخر، لا كفشل، بل كـ “خصوصية ثقافية راقية”!

نحن شعب يقدّم الكرامة على النشوة، والأمان على البهجة السريعة، والوقوف مع الآخرين على الضحك المنفرد!

نُتقن الاحتمال دون انهيار،

ونمارس التضامن دون كاميرات،

ونفتح بيوتنا أسرع مما نفتح أفواهنا!

وهذه -والله- ليست تعاسة، لكنها لا تصلح لسؤال متعدد الخيارات!

مهمتها الثانية ابتكار مؤشر وطني بديل، لا يقيس عدد الضحكات، بل عدد المرات التي كتم فيها الإنسان غضبه احترامًا للوطن وللمكان!، وعدد المرات التي قال فيها “تفضل” و”معلش” وهو أحق، وعدد المرات التي دفع فيها عن غيره أو مكرها ثم عاد إلى بيته ليراجع حساب الكرامة!

هذا هو الفرح الذي نعرفه!

وهذا لا يُدرج في الجداول!

أما إدارة السعادة نفسها، فهي أخطر ما في المشروع.

لا نريد وجهًا بشوشًا يوزع وعودًا، ولا اسمًا يوحي بالرخاوة!

نريد ذلك الرجل المعروف بعدائه التاريخي للإجازات، وبخصومته مع الراحة، وبإيمانه العميق أن السعادة ما هي إلا أثر جانبي للعمل المتواصل!، وأن الفرفشة إن تُركت بلا ضابط أفسدت الانضباط!

عقل صارم، ولسان مقتصد، و”غزالة” خفيفة، رايقة، نشيطة، تجري في الربيع الإداري، وتُقنع الناس أن الدنيا قمرة… شريطة ألّا يتوقفوا!

وسيُقال، كما يُقال دائمًا:

كيف نتحدث عن السعادة والفقر موجود؟

والبطالة؟

والضغط؟

والحروب على الأبواب؟

و…و…و…!

والجواب، بكل برود مؤسسي لا يعرف الحرج:

لهذا السبب بالذات!

فالخبز مسألة اقتصادية،

والعدالة مسار طويل،

أما الشعور….

فملف معنوي قابل للإطلاق بقرار!

المدينة الفاضلة لم تُبنَ، ولن تُبنى قريبًا،

لكن المدينة “التي تبدو بخير” قابلة للإعلان في نشرة الثامنة!

وحينها، ستتحسن اللغة،

وتُعدَّل التقارير،

ويُقال عالميًا:

رغم التحديات، يحافظ البلد على “توازن نفسي مقبول”!

وعند هذه النقطة،

لن يكون مهمًا إن كانت الحياة صعبة،

المهم أنها مُقاسة!

مُفسَّرة!

ومُدارة!

دولة الرئيس،

هذا النص لا يدعو إلى الضحك،

بل إلى ضبطه!

ولا يسخر من السعادة،

بل من تحويلها إلى حقيبة، أو هيئة، أو رقم!

أما السعادة الحقيقية،

فستبقى خارج الوزارات،

تزور الناس خلسة،

حين يستعيد إنسان آخر حقه في الوقوف، لا حين يُطلب منك أن تبتسم…

رسميًا!

 فهذه هي اللحظة الصامتة التي لا تُقاس!

 وحين يكفّ عن تبرير وجوده!

 وحين يُستعاد صوته دون توسّل!

وحين يُنظر إليه كإنسانٍ لا كحالة!

وحين لا يُجبر على الانحناء ليُصدَّق!

 وحين لا يضطر للإعتذار عن حاجته وحقوقه المكفولة له دستوريا، ولا إلى تبرير ألمه كي يُسمع!

! تزوره حين لا يُقاس وهو مكسور

وحين لا يطلب منه أن يبتسم؛ وهو يحاول فقط أن يبقى واقفًا!

هذه اللحظة التي لا تُصوَّر ولا تدخل في التقارير!

 ولهذا، هي أخطر من كل السعادات المُعلنة!

 لأن السعادة الحقيقية لا يجب أن ترفعك عاليًا، بقدر ما يجب أن تمنعك من الانكسار!

دولة الرئيس،

كنت أفضّل تقديم هذا الاقتراح صباح الأحد، في ذروة النكد الأسبوعي، أو ليلة قرار حكومي برفع المحروقات أو فرض رسوم وضرائب جديدة؛ حيث تكون الروح الوطنية في أعلى درجات استعدادها لـ “الفرفشة القسرية”، لكنني أضعه الآن على مكتبكم بوصفه اقتراحًا لا ينتظر الموافقة، والأقل قابلية للتكذيب!

التوقيع:

عماد داود*

* مواطن يرى أن أسوأ ما قد يحدث للحزن؛ أن يتحول إلى سياسة عامة! وأن أخطر ما يمكن أن تفعله الدولة؛ ليس أن تفشل في إسعادك فحسب؛ بل أن تُحمّلك مسؤولية شعور لم تكن يومًا سببًا في غيابه، وتطلب منك أن تكون سعيدا..رسميا!

Share This Article