وكالة تليسكوب الإخبارية – بقلم : موسى الدردساوي
في شباط، لا يمرّ الزمن في الأردن مرورًا عابرًا، بل يتوقّف قليلًا، كمن يخلع قبعته احترامًا، ويخفض صوته وهو يعبر بين ذاكرتين، كلتاهما تنبضان بالوفاء. في السابع من هذا الشهر، يستعيد الأردنيون لحظة الفقد النبيل، يوم غاب الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، عن المشهد جسدًا، وبقي حاضرًا في الوجدان نهجًا وصوتًا ومعنى. وبعد يومين فقط، في التاسع من شباط، يقف الوطن ذاته على عتبة عهدٍ متجدّد، مستذكرًا عيد الجلوس الملكي لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وكأنّ الزمن أراد لهذا الشهر أن يكون مرآة الحكاية الأردنية كاملة: الفقد والاستمرار، الجذر والغصن، الرحيل والوفاء.
لم يكن الحسين بن طلال مجرد قائدٍ عبر التاريخ، بل كان حالة وطنية جامعة، صاغت ملامح الدولة والإنسان معًا. في سنواتٍ شحيحة الموارد، كثيرة التحديات، اختار أن يراهن على الإنسان الأردني، فخاطبه بصدق، وشاركه القلق والأمل، وبنى دولة تعرف معنى الصبر، وتفهم قيمة الكرامة. كانت القيادة في عهده قريبة من الناس، تسمع لهم، وتصارحهم، وتطمئنهم بأن الوطن، مهما ضاقت به السبل، لا يترك أبناءه خلفه.
وحين جاء يوم الوداع، لم يكن وداع نهجٍ بقدر ما كان تسليم أمانة. في لحظة دقيقة من تاريخ الدولة، تسلّم جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين سلطاته الدستورية، محمّلًا بإرثٍ ثقيل، لكنه واضح المعالم. سبعة وعشرون عامًا مضت منذ تلك اللحظة، لم تكن سهلة في مسارها، ولا مريحة في تحدياتها، لكنها كانت صادقة في اتجاهها. واجه الأردن خلالها أزمات اقتصادية عالمية، واضطرابات إقليمية متلاحقة، وضغوطًا سياسية وأمنية متزايدة، في إقليمٍ لم يعرف الاستقرار طويلًا، وعالمٍ تغيّرت فيه الموازين بسرعة لا تنتظر أحدًا.
ومع ذلك، اختارت القيادة الهاشمية أن تتعامل مع التحديات بعقل الدولة، لا بردود الفعل، وببوصلة المصلحة الوطنية، لا بمنطق الشعارات. كان الإنسان الأردني حاضرًا في صدارة القرار، وكانت كرامته خطًا أحمر لا يُساوم عليه. مضى الملك المعزّز مستندًا إلى مدرسة الحسين في الحكمة والاعتدال، لكنه في الوقت ذاته فتح نوافذ المستقبل، مؤمنًا بأن الدول لا تُدار بعقل الماضي وحده، وأن الاستقرار الحقيقي يُبنى على المشاركة، والعدالة، وتكافؤ الفرص.
من هنا، جاءت مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، لا بوصفها ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية. منظومة تحديث أرادت أن تمنح الشباب والمرأة مساحة أوسع في الحياة العامة، وأن تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الشراكة والمسؤولية، لا التبعية والانتظار. إصلاحات تسير بهدوء، لكنها تمضي بثبات، لأن البناء العميق لا يُقاس بضجيجه، بل بأثره.
وعلى الصعيد القومي والإنساني، ظلّ الموقف الأردني، بقيادة جلالة الملك، ثابتًا لا يتبدّل. في مقدمة ذلك، القضية الفلسطينية، التي لم تكن يومًا ملفًا سياسيًا عابرًا، بل قضية حق وعدالة وهوية. واصل جلالته الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وحمل الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف كأمانة تاريخية وأخلاقية لا تقبل المساومة، في زمنٍ كثرت فيه الأصوات وتراجعت فيه المواقف.
بين السابع والتاسع من شباط، تتجلّى الذكرى السابعة والعشرون للوفاء والبيعة بوصفها أكثر من محطة زمنية. إنها عقد أخلاقي متجدّد بين القيادة والشعب، قوامه الثقة والعمل وتحمل المسؤولية. هي حكاية وطنٍ يعرف كيف يودّع قادته بالوفاء، وكيف يجدّد عهده بالثبات، وكيف يواصل المسير بثقة، مهما اشتدت العواصف.
وفي هذه الأيام، لا يستحضر الأردنيون تاريخًا فحسب، بل يؤكدون إيمانهم بأن هذا الوطن، الذي صمد وسط التحولات، ما زال يقف على أرضٍ صلبة، تقوده حكمة الحسين، وعزم عبدالله الثاني. وفاءٌ لا ينقطع، وبيعةٌ لا تهتز، ومسيرة وطنٍ يعرف أن قوته في وحدته، وأن كرامة الإنسان هي الأساس الذي تُبنى عليه الأوطان.


