الدور النقابي بين التمثيل الحقيقي والوظيفة الشكلية

dawoud
3 Min Read

وكالة تليسكوب الإخبارية

يُفترض بالعمل النقابي أن يكون أحد أعمدة التوازن بين العاملين وأصحاب القرار، وأداة تنظيمية وقانونية للدفاع عن الحقوق المهنية والمعيشية، لا مجرد واجهة اجتماعية أو نشاط بروتوكولي. فالنقابة، في جوهرها، وُجدت لتُمثّل، وتضغط، وتفاوض، وتُحاسب، لا لتُجامل أو تكتفي بالحضور الشكلي.

- Advertisement -

غير أن المتابع للواقع النقابي في كثير من القطاعات يلحظ انحرافًا مقلقًا في البوصلة؛ حيث جرى اختزال العمل النقابي في حضور فعاليات وافتتاحات، والمشاركة في مناسبات عامة، وبناء علاقات مع مسؤولين، على حساب الدور الأساسي: الدفاع الجاد والمنهجي عن حقوق الهيئة العامة.

هذا التحول لم يكن بلا ثمن. فقد ترافق مع تكدّس ملفات مطلبية دون حلول، وتأجيل قضايا أساسية بحجة “الظروف” أو “الحوار المستمر”، بينما تتآكل الحقوق بمرور الوقت، ويتزايد الإحباط داخل القواعد النقابية. الأخطر من ذلك أن غياب الخبرة والدراية بالعمل النقابي لدى بعض القائمين عليه بات يُعوَّض بنشاطات شكلية تُعطي انطباعًا بالحركة، دون أن تُنتج أثرًا حقيقيًا.

العمل النقابي ليس فن إدارة العلاقات العامة، ولا مهارة كسب الرضا، بل هو ممارسة قانونية وسياسية بالمعنى المهني للكلمة، تقوم على فهم التشريعات، وبناء الملفات، وترتيب الأولويات، واستخدام أدوات الضغط المشروعة عند الحاجة. والتاريخ النقابي، محليًا وعالميًا، يثبت أن الحقوق لا تُمنح بدافع المجاملة، بل تُنتزع بعمل منظم وموقف واضح.

إن الخلط بين التهدئة والتنازل، وبين الحكمة والصمت، أضرّ بصورة النقابات وأضعف ثقة الهيئة العامة بها. فالنقابة التي تخشى إزعاج المسؤول، أو تُقدّم العلاقة على المطلب، تفقد تدريجيًا قدرتها على التمثيل، وتتحول من طرف فاعل إلى شاهد على تراجع الحقوق.

لا يعني ذلك الدعوة إلى الصدام الدائم، ولا إلى التصعيد غير المحسوب، بل إلى استعادة التوازن الطبيعي للعمل النقابي: تفاوض حين يكون التفاوض مجديًا، وتضغط حين يصبح الضغط ضرورة، وتُصارح قواعدها بالواقع بدل تغليفه بشعارات عامة ونشاطات استعراضية.

الهيئة العامة لا تطلب المستحيل، ولا تنتظر معجزات. ما تطلبه هو تمثيل حقيقي، وشفافية في الأداء، وخطط واضحة، وإرادة فعلية للدفاع عن الحقوق. فإما نقابات تعود إلى دورها الطبيعي كقوة تمثيلية مؤثرة، أو استمرار في مشهد شكلي لا ينتج إلا مزيدًا من فقدان الثقة وتراكم الأزمات.

وفي لحظة كهذه، يصبح طرح السؤال ضرورة وطنية ومهنية: هل نريد نقابات حاضرة في الصور، أم حاضرة في المواقف ؟!

Share This Article