“نسيج” كويتي مسرحي احتفالي يحتفي بالذاكرة الثقافية العربية 

adminT
10 Min Read
Oplus_131072

وكالة تليسكوب الإخبارية | زاهي وهبي

هل يمكن لبساط من الصّوف أن يحملك عبر الزمن ؟ في “نسيج”، العرض الذي احتضنه المسرح الوطني بمركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي، كان الجواب: نعم ، إذ قدّم المخرج عبدالله عبدالرسول عملاً يستعير خيوط السدو الكويتي ليحوك منها رحلة عربية تبدأ من مكتبة الروَيّح في عشرينيات القرن الماضي، مروراً بعدة عواصم عربية، وصولاً إلى مجلة العربي التي كانت وما زالت منارة ثقافية امتد إشعاعها لعقود. جماليات بصرية وطاقة حركية آسرة العرض المسرحي الإحتفالي الضخم من إنتاج المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بمناسبة اختتام فعاليات “الكويت عاصمة للثقافة العربية ٢٠٢٥”؛ ما أن تُرفَع ستارته حتى تلفتك السينوغرافيا المتقنة لحسن الملا، حيث تتداخل الإسقاطات الرقمية مع الأداء الحي في تناغم بصري متجانس. المشهد الصوفي بلغ ذروة جمالية، حيث تحولت الخشبة إلى حلقة رقص دائري كأن كل شيء يبدأ من نقطة ليدور دورةً كاملة ثم يعود إلى النقطة التي بدأ منها. وهذا هو جوهر العرض الذي يبدأ من مكتبة الرويح وينتهي في مجلة العربي، أي أنه يبدأ كويتياً، يجول عربياً، ثم ينتهي كويتياً ، اللوحات الغنائية الراقصة جاءت حيوية ومنضبطة، مع إشادة خاصة بفرقة “أورنينا” التي أضافت طاقة شبابية مفعمة بالحيوية. أداء جمال الردهان، منى شداد، خالد أمين، والوجهين الجديدين الواعدين حسين الدواي وحور القلاف، اتسم بالاتزان والإنسجام مع روح العمل الجماعي يحسب للمخرج عبد الرسول إدارته المتمكنة لعدد كبير من الممثلين والمغنين والمؤدين والراقصين الذين رسموا مشاهد العرض بخفة ورشاقة، وقدموا لوحات مثّلت المشهد الفني والثقافي العربي مَشرقاً ومَغرباً، ناسجةً رحلة الكويت الثقافية التي لم تقتصر على إصدار مجلة العربي بل أيضاً سلسلتي المسرح الحديث وعالم المعرفة، فضلاً عن دورها الرائد في المسرح والسينما والصحافة خليجياً وعربياً. موسيقياً يشكل “نسيج” تجربة متميزة، بفضل توزيع وليد سلطان والإشراف الفني للدكتورة نورة القملاس. الموسيقى التصويرية التي وضعها سعود المسفر كانت بحق من أعمدة العرض المتينة، بينما أضاف عبدالله القعود لحناً مميزاً للمشهد الختامي يعلق في الذاكرة. النصوص الغنائية الفصيحة للشاعر عبدالرحمن العوضي حملت رشاقة شعرية بعيدة عن الوعظ المباشر، مكثفة في تعبيرها ومعبّرة في إيحاءاتها. ولا يمكن إغفال الصوت الغنائي النسائي الممتد الذي منح العمل دفئاً استثنائياً؛ صوت شيماء سليمان الذي يستحق بجدارة أن يُسجَل في ذاكرة المسرح الكويتي. فلسطين نبض حي في قلب النسيج المشهد الفلسطيني لامس المشاعر وبلغ أعماق القلوب. استعادة “يما موال الهوى” والدبكة الفلسطينية على خشبة مسرح حكومي في مناسبة عربية رسمية لفتة ذات معنى لا سيما الآن وفي هذه المرحلة. العمل لم يختزل فلسطين في رمز عابر أو ومضة سريعة، بل جعلها محطة رئيسية في الرحلة الثقافية العربية. الأجمل أن فلسطين حضرت ليس كخطاب سياسي مباشر، بل كنبض حي في جسد الرحلة العربية. موال “يمّا” لم يكن مجرد أغنية، كان استحضاراً لذاكرة فلسطينية تمتد في الزمن، والدبكة لم تكن مجرد رقصة، كانت حضوراً جسدياً يخترق الخشبة ويصل إلى المتلقي مباشرة. هذا التضمين الحسي يستحق التقدير، خصوصاً في ظل محاولات طمس الذاكرة الفلسطينية وتغييب القضية ثقافياً وإعلامياً. الرحلة في “نسيج” مرت بعدة عواصم عربية، لكن المتلقي يلحظ غياب المشهد البيروتي. ليس المطلوب بالضرورة استعراضاً سياحياً للمدن ، لكن العلاقة الثقافية التاريخية بين الكويت ولبنان عميقة وامتدت لعقود في النشر والمسرح والإعلام، بل وأنتجت بعضاً من النخبة التي كتبت في مجلة العربي نفسها. ربما يكون اكتفاء العرض بفلسطين كإشارة لبلاد الشام مقصوداً مقابل الاكتفاء بالمغرب كإشارة إلى المغرب العربي الكبير. لكن هذا الاختيار يثير سؤالاً حول منهجية تمثيل المدن العربية: هل كان العرض يبحث عن تمثيل رمزي (فلسطين للمشرق، المغرب للمغرب العربي) على حساب التمثيل التاريخي؟ بيروت التي احتضنت نخبة من كتاب العربي وصدرت منها طبعاتها لسنوات، كانت ستضيف بعداً آخر للـ”نسيج” لو حضرت ليس كمشهد مستقل بل كخيط ناظم يمر عبر المشاهد الأخرى، خاصة أن كثيراً من الإنتاج الثقافي العربي مر عبر بيروت أو تأثر بها بين ابن بطوطة والعمّة وسميّة استدعاء شخصية ابن بطوطة كمرشد روحي في الرحلة للشاب حمد وأخته شيخة (كما يخبرنا كتيب العرض) فكرة جميلة، تعكس فلسفة السفر في طلب العلم والمعرفة التي تميز بها الرحالة المسلمون. المشهد الذي تتجه فيه عينا حمد نحو قطعة السدو المتلألئة في زاوية الغرفة، متأملاً إياها بإعجاب، يحمل شعرية بصرية عالية. لكن الشخصية ظلت حبيسة إطارها التكريمي، تطل بكلمات موجزة عن فضل السفر ثم تغيب. كان يمكن للشخصية أن تتطور وتتفاعل مع المحطات المختلفة، تتأثر بها وتؤثر فيها، خاصة وأنها تحمل رمزية التنقل بين الثقافات التي تمثلها مجلة العربي نفسها عبر عقود ، يتجلى التراث بشكل مؤثر في شخصية العمة وسمية (وفقاً لكتيب العرض)، التي تجسد علاقة الحرفة بالهوية. في مشهد يضفي دفئاً وحميمية، تجلس العمة أمام نول السدو تنسج نقوشه الأصيلة بمهارة، راويةً أن كل خيط يسرد قصة سفر أو نبضة قلب. هنا يتحول السدو إلى نسيج مادي وروائي في آن، وتصبح العمة حلقة الوصل بين الماضي والحاضر، وبين الحرفة اليدوية والفن المسرحي. هذا التجسيد للشخصيات جعل من التراث كائناً حياً يتنفس على الخشبة ، المقابلة بين هذين النموذجين تكشف عن رؤية العرض للتراث: حرفة يدوية متصلة (العمة) ورحلة فكرية منقطعة (ابن بطوطة). في هذه الفجوة بين الحضور الحي والإستحضار الرمزي، يمكن قراءة تحديات توظيف التراث في المسرح المعاصر: ننجح في تجسيد القريب الحرفي (العمة) بينما نظل خجولين أمام الرمز التاريخي الكبير (ابن بطوطة). اللغة بين الإيحاء والتصريح يلاحظ في العرض ميلٌ إلى المباشرة في بعض المقاطع الحوارية والنصوص التفسيرية، التي تشرح الأفكار بدلاً من أن توحي بها. الجمهور اليوم، وخصوصاً الشباب، اعتاد على دراما أكثر اقتضاباً وثقة بذكاء المتلقي. كانت المشاهد الأجمل هي التي تركت الموسيقى والحركة تتحدثان بلغة أكثر عمقاً وإيحاءً. لكن السؤال: لماذا تميل العروض الإحتفالية الكبيرة إلى المباشرة؟ هل لأن الجمهور العريض يحتاج إلى خطاب واضح؟ أم لأن طبيعة المناسبة (اختتام فعاليات ثقافية) تفرض نوعاً من التقريرية التوثيقية؟ هذه الأسئلة تحول الملاحظة الأسلوبية إلى قراءة في شروط الإنتاج الثقافي نفسه. فالمباشرة هنا قد لا تكون عيباً فنياً بقدر ما هي استجابة لطبيعة العرض بصفته احتفاءً وليس مجرد عمل درامي. يصف بيان المخرج العمل بأنه يسعى إلى “تفكيك البنية التقليدية للسرد لصالح بناء بصري مركب”، لكن العرض يقدم في المحصلة بنية خطية كلاسيكية تبدأ من الماضي (مكتبة الرويح) مروراً بالحاضر (بيت حمد وشيخة) باتجاه المستقبل (رحلة السدو)، دون كسور زمنية أو تعدد في وجهات النظر، إلا إذا اعتبرنا استحضار ابن بطوطة، السابق زمنياً لأحداث العرض بقرون عديدة، يلبي هذه الرؤية. لكن المتلقي يصله أنه قد تم استبدال “تفكيك السرد” بتأليف بصري احتفائي مبهر، وهو ما ينجح فيه العرض، لكن النقلة النوعية في الشكل لم يرافقها نقلة مماثلة في بنية السرد ذاته . هذا ليس عيباً في ذاته، فالبناء الكلاسيكي يحمل تماسكه وقوته، لكنه يخلق مسافة بين الطموح النظري والتنفيذ الفعلي على الخشبة . ربما يكون العرض قد أنجز تفكيكاً بصرياً (في السينوغرافيا والإسقاطات) دون أن يرافقه تفكيك سردي، وهذه قراءة أخرى للعلاقة بين الشكل والمضمون ، “نسيج” يظل عملاً ضخماً بطموحه وإمكانياته، يعكس رؤية عربية جامعة في زمن التشظي، ويستحق المشاهدة والتقدير والنقاش. فكرته الأساسية شاعرية، والنصوص الغنائية الفصيحة والأصوات الجميلة ترفع من قيمته فنياً ، عرض مبهر بصرياً ومسرح احتفائي كبير يليق بمناسبة ثقافية عربية مهمة. ويؤكد أن الكويت ما زالت قادرة على تقديم رؤيتها الثقافية بطريقتها الخاصة، لا سيما وأنها كانت البلد الرائد في محيطه الخليجي والمؤثِّر عربياً، والذي قدم قامات إبداعية حاضرة في الذاكرة والوجدان من صقر الرشود إلى مريم الغضبان، ومن عبدالحسين عبدالرضا إلى خالد النفيسي، وسواها من أسماء غزلت على نول الحبر ونسجت بساط الأدب والفن ، لكن النقلة النوعية في الشكل لم يرافقها نقلة مماثلة في بنية السرد ذاته. هذا ليس عيباً في ذاته، فالبناء الكلاسيكي يحمل تماسكه وقوته، لكنه يخلق مسافة بين الطموح النظري والتنفيذ الفعلي على الخشبة. ربما يكون العرض قد أنجز تفكيكاً بصرياً (في السينوغرافيا والإسقاطات) دون أن يرافقه تفكيك سردي، وهذه قراءة أخرى للعلاقة بين الشكل والمضمون ، “نسيج” يظل عملاً ضخماً بطموحه وإمكانياته، يعكس رؤية عربية جامعة في زمن التشظي، ويستحق المشاهدة والتقدير والنقاش. فكرته الأساسية شاعرية، والنصوص الغنائية الفصيحة والأصوات الجميلة ترفع من قيمته فنياً ، عرض مبهر بصرياً ومسرح احتفائي كبير يليق بمناسبة ثقافية عربية مهمة. ويؤكد أن الكويت ما زالت قادرة على تقديم رؤيتها الثقافية بطريقتها الخاصة، لا سيما وأنها كانت البلد الرائد في محيطه الخليجي والمؤثِّر عربياً، والذي قدم قامات إبداعية حاضرة في الذاكرة والوجدان من صقر الرشود إلى مريم الغضبان، ومن عبدالحسين عبدالرضا إلى خالد النفيسي، وسواها من أسماء غزلت على نول الحبر ونسجت بساط الأدب والفن.

- Advertisement -

Share This Article