بنك الأسئلة غير المُفعَّل.. وامتحان البورد بين هيبة المعيار وعدالة التطبيق

dawoud
6 Min Read

وكالة تليسكوب الاخبارية

حين يُذكر امتحان البورد، يُفترض أن يُذكر معه معيار الكفاءة، وعدالة التقييم، واستقرار المرجعية العلمية. لكن في الواقع الذي يعيشه الأطباء اليوم، تحوّل هذا الامتحان — الذي يشرف عليه المجلس الطبي الأردني — إلى محطة قلقٍ وجودي، لا مجرد استحقاق مهني.

- Advertisement -

القضية لا تتعلق بصعوبة الامتحان؛ فالأطباء لا يطلبون امتحانًا سهلاً، بل يطالبون بامتحان عادل. الفارق بين الاثنين جوهري. الصعوبة تُبنى على معيار علمي واضح، أما التعجيز فيقوم على غياب المرجعية واستقرار القواعد.

تعليمات منشورة… ولكن أين بنك الأسئلة؟

في عام 2024، صدرت في الجريدة الرسمية تعليمات واضحة تقضي بإنشاء بنك أسئلة لكل اختصاص، ووضع مادة علمية معتمدة تمكّن الطبيب من التحضير وفق إطار محدد ومعايير معلنة. كان ذلك إعلانًا صريحًا عن توجه إصلاحي طال انتظاره، يُفترض أن ينقل الامتحان إلى مرحلة مؤسسية حديثة قائمة على أسس علم القياس والتقويم.

لكن حتى اليوم، يؤكد كثير من الأطباء أن بنك الأسئلة ما يزال غير مُفعَّل فعليًا، أو على الأقل غير ظاهر الأثر في آلية الامتحان وبنيته. فلا خارطة موضوعات معلنة، ولا مرجع محدد، ولا إطار علمي ثابت يلتزم به الجميع.

وهنا يبرز السؤال المشروع:
إذا كانت التعليمات قد نُشرت واكتسبت قوة الإلزام، فلماذا لم يُستكمل تنفيذها؟

امتحان بلا هوية أكاديمية واضحة

في معظم الدول المجاورة، تُبنى امتحانات الاختصاص على مرجع علمي معتمد أو إطار منهجي مُعلن يلتزم به المتقدمون واللجان على حد سواء. أما في الحالة الراهنة، فيشير أطباء إلى أن امتحان البورد لا يمتلك هوية علمية واضحة؛ فلا مادة علمية خاصة به، ولا مرجع رسمي معتمد يُحتكم إليه.

الطبيب الأردني يدرس من مصادر متعددة، وبنوك أسئلة إقليمية وعالمية، ويبذل جهدًا مضاعفًا لتغطية أكبر قدر ممكن من المراجع. لكن المفاجأة أن نسبة ضئيلة فقط مما يدرسه تنعكس في أسئلة الامتحان، وذلك بسبب تغيّر المرجعيات وآليات التقييم من دورة إلى أخرى، تبعًا لاجتهادات ومزاجية بعض اللجان الممتحِنة، في غياب بنك أسئلة مُفعَّل ومعايير ثابتة.

وهكذا يتحول التحضير إلى محاولة لاستشراف المجهول، لا إلى دراسة منهج محدد.
ويصبح النجاح — في نظر كثيرين — مزيجًا من الاجتهاد والحظ، وهو أمر لا يليق بامتحان يُفترض أن يكون أعلى معايير المهنة.

سنوات من التضحية… وصدمة عند خط النهاية

لا يصل الطبيب في الأردن إلى امتحان البورد إلا بعد أن أنهى سنوات طويلة من التدريب والإقامة، واجتاز امتحانات سنوية، وتحمل أعباء المناوبات والعمليات والعيادات وساعات العمل المرهقة. يصل إلى هذه المرحلة وهو يحمل خبرة عملية حقيقية وتضحيات شخصية وعائلية جسيمة.

لكن عند الامتحان، يصطدم بواقع يوصف بأنه شديد القسوة، يؤثر مباشرة على مساره المهني واستقراره الوظيفي ومستقبل عائلته. وعندما تهبط نسب النجاح في بعض التخصصات إلى حدود 10%، بل تمر دورات لا ينجح فيها أحد، فإن الامتحان يخرج من نطاق التقييم الموضوعي إلى نطاق التعجيز.

في علم القياس، الامتحان أداة لتمييز الكفاءة، لا لإقصاء الغالبية.
وحين تتحول نسب الرسوب إلى ظاهرة متكررة، يصبح لزامًا إعادة النظر في الأداة نفسها.

إشكالية العامل البشري والامتحان الشفوي

من أبرز الملاحظات المتكررة اعتماد الامتحانات الشفوية على تقدير اللجان، بما يفتح الباب أمام التفاوت في الأسلوب والتقييم. إن غياب بنك الأسئلة المُفعَّل يفتح الباب واسعًا أمام التباين في التقييم، ويجعل الامتحان عرضة للاجتهاد البشري، بل ولمزاجية اللجان، بدل أن يكون محكومًا بمعايير علمية ثابتة.

لا يعقل أن يُعاد الامتحان الشفوي مرارًا دون معيار موضوعي معلن، أو أن يشعر الطبيب أن مستقبله قد يتأثر بانطباع شخصي أو تقدير غير منضبط.

العالم يتجه اليوم إلى تقليل أثر العامل البشري عبر أنظمة تقييم معيارية، وأتمتة بنوك الأسئلة، وتحليل النتائج إحصائيًا لضمان العدالة. دول في الإقليم تعاقدت مع شركات تقييم عالمية لإدارة امتحانات الاختصاص، ما عزز الشفافية وثقة المتقدمين.

فلماذا لا يُستكمل مسار الإصلاح لدينا عبر تفعيل بنك الأسئلة فعليًا، وضبط الامتحان وفق معايير دولية واضحة؟

دعوات لإصلاح هيكلي شامل

تتردد بين الأطباء دعوات لبحث الإشراف المؤسسي على الامتحانات، وبمشاركة أوسع من نقابة الأطباء الأردنية، بما يعزز الشفافية ويضمن تمثيل جميع القطاعات، ويُخرج الامتحان من أي انطباع بتأثره بقطاع دون آخر.

الهدف ليس صراعًا مؤسسيًا، ولا انتقاصًا من هيبة الامتحان، بل تثبيت عدالته. فامتحان البورد يجب أن يكون معيارًا رفيعًا للكفاءة، لا عقبةً غير مستقرة المعالم في طريق الأطباء.

مطلب إصلاحي… لا معركة

الأطباء لا يطلبون تخفيض المعايير، بل تثبيتها.
لا يطالبون بامتحان أسهل، بل بامتحان أوضح.
لا يسعون إلى تجاوز التقييم، بل إلى ضمان عدالته.

يريدون أن يعرفوا ماذا يدرسون، وكيف يُمتحنون، وعلى أي أساس يُقيَّمون.
يريدون بنك أسئلة مُفعّلًا كما نُشر في الجريدة الرسمية، ومادة علمية معلنة، وآلية شفافة لا تتغير بتغير الأشخاص.

اليوم، يتوجه الأطباء بنداء صريح إلى معالي وزير الصحة لأخذ هذه الشكاوى المتراكمة على محمل الجد. فاستقرار المسار المهني للطبيب ليس شأنًا فرديًا، بل ركيزة من ركائز الأمن الصحي الوطني.

الامتحان يجب أن يكون جسرًا نحو التميز، لا جدارًا يسد الطريق.
وتفعيل بنك الأسئلة ليس تفصيلًا إداريًا… بل عنوانًا لعدالةٍ طال إنتظارها .

Share This Article