الأردن السيادة أولًا… والبقية تفاصيل

dawoud
4 Min Read

وكالة تليسكوب الاخبارية – بقلم موسى الدردساوي

في اللحظة التي تتشابك فيها نيران المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يقف الأردن في عين العاصفة؛ لا بوصفه طرفًا في الصراع، بل دولة يفرض عليها موقعها الجغرافي ووزنها السياسي أن تحسب خطواتها بميزان الدقة. هي عواصف لا يصنعها، لكنه يتأثر برياحها، ويدرك أن الانفعال في لحظات كهذه قد يكلّف الأوطان أثمانًا باهظة.

- Advertisement -

منذ الساعات الأولى للتصعيد، تبلور الموقف الأردني على قاعدة صلبة لا تتبدل: هدوء في اللغة، وحزم في المضمون. لم تنجرّ الدولة إلى خطاب تعبوي، ولم تسمح بأن تُستدرج إلى اصطفافات حادة، بل تمسكت بخيار واضح عنوانه حماية السيادة الوطنية، وصون أمن الداخل، ورفض تحويل الأرض الأردنية إلى ساحة لتصفية الحسابات. لم يكن ذلك شعارًا عابرًا، بل امتدادًا لنهج متراكم في إدارة الأزمات، يقوم على قراءة دقيقة لموازين القوى، وفهم عميق بأن الحفاظ على الاستقرار وسط إقليم مشتعل هو إنجاز بحد ذاته.

في قلب هذا المشهد، برز نهج جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين بوصفه امتدادًا لمدرسة سياسية ترى في الاتزان استراتيجية بقاء لا ترفًا دبلوماسيًا. فالحكمة، في هذه المدرسة، لا تُقاس بعلو الصوت، بل بقدرة القائد على ضبط الإيقاع، وإدارة التوازن بين المصالح المتعارضة دون التفريط بالثوابت. من هنا جاءت الرسائل الأردنية واضحة في دعوتها إلى خفض التصعيد، وتحذيرها من اتساع رقعة الحرب، وتأكيدها على أن أمن المنطقة لا يُبنى بالصواريخ، بل بالحلول السياسية القادرة على معالجة جذور الأزمات.

في إدارته لهذه المرحلة الحساسة، يتحرك جلالة الملك ضمن معادلة دقيقة توازن بين صون الشراكات الدولية وتعزيزها، وبين حماية الأمن الوطني من الانزلاق إلى صراعات لا تخدم المصلحة الأردنية. فالأردن لا يقف على هامش الأحداث، لكنه في الوقت ذاته يرفض أن يكون طرفًا في حرب لا تعبّر عن أولوياته ولا تنسجم مع ثوابته. ومن هذا المنطلق، جاءت السياسة الرسمية متناغمة مع وجدان الداخل، معبّرة عن إرادته، لا في مواجهة نبضه أو على حسابه.

ولأن الحروب الحديثة لم تعد تقتصر على ساحات القتال، بل تمتد إلى الاقتصاد والطاقة والأمن الغذائي، فقد تعاملت الدولة مع التطورات من منظور شامل. رُفعت درجات الجاهزية، وتابعت المؤسسات المختصة تطورات المجال الجوي والحدود، وجرى رصد الأسواق وطمأنة المواطنين بأن مؤسسات الدولة تعمل وفق خطط استباقية. إنها إدارة هادئة لأزمة صاخبة، تعكس إدراكًا بأن أخطر ما في الحروب ليس صواريخها فحسب، بل ارتداداتها غير المباشرة التي قد تضرب المجتمعات من الداخل إن غابت الجاهزية.

الموقف الأردني، إذًا، ليس حيادًا سلبيًا، بل موقف سيادي واعٍ؛ يرفض العدوان ويعارض الفوضى في آن معًا، ويؤمن أن أمن الأردن خط أحمر، وأن كرامته الوطنية غير قابلة للمساومة. وبينما تتسارع القرارات تحت ضغط الانفعال في عواصم كثيرة، يختار الأردن التروي، ويختار قائده أن يكون صمّام أمان، لا صدى لصخب الآخرين.

قد لا تغيّر عمّان مسار الحرب الكبرى، لكنها تعرف كيف تحمي مسارها الداخلي
و وسط ضجيج السلاح في الإقليم، يراهن الأردن على ثباته، وعلى حكمة قيادته، وعلى وعي شعبه بأن قوة الدولة لا تُقاس باندفاعها نحو المعارك، بل بقدرتها على تجنبها حين تكون بلا جدوى.

Share This Article