إيران لم تسقط — انكشفت

dawoud
10 Min Read

وكالة تليسكوب الاخبارية – بقلم الكاتب عماد داود

الوكيل لا يملك ما يوكَّل فيه!

- Advertisement -

هذه ليست قاعدة قانونية — هي قانون الثقل! لا يحتاج إلى محكمة تُطبّقه، يُطبّق نفسه! وقد طبّق نفسه بثلاثين قنبلة في وضح النهار، بعد أربعة عقود من الصبر الذي لا يشبه الصبر بقدر ما يشبه تراكم الضغط في وعاء مُحكم الإغلاق!

مات الرجل وكان المجلس جاهزاً!

لا تتجاوز هذه الجملة كأنها خبر! لأنها ليست خبراً — هي اعتراف! اعتراف لم يُنتزع بتحقيق ولا بتعذيب، بل انتُزع بفعل إداري روتيني: شخص فتح درجاً!

في تلك الحركة الصغيرة — درج يُفتح، ورقة تُخرج — انهار ما لم تستطع أربعون عاماً من الخطاب بناءه: الوهم بأن النظام يؤمن بنفسه!

نظام يُعلن أن مرشده امتداد للسماء، لا يُسأل ولا يُحاسب ولا يفنى — هو نفسه كان يجلس في غرفة مجاورة يكتب: ماذا نفعل حين يفنى؟!

كانوا يُقدّسونه علناً ويُكفّنونه سراً في الوقت ذاته! كانوا يُهتفون باسمه في الشوارع بينما ورقة خلافته تجفّ حبرها في الدرج! المرشد الأبدي الذي لا يُستغنى عنه — كان مُستغنىً عنه على الورق قبل أن يموت!

هذه ليست مفارقة سياسية عادية! هذه نكتة كونية سوداء: أن يكون أكثر الناس يقيناً بفنائك هم من يصرخون في وجهك أنك لا تفنى!

وما يُضاف إلى هذه النكتة السوداء ما هو أشد منها إيلاماً!

طبول الحرب كانت تُقرع، والتهديدات كانت معلنة، واحتمال الضربة كان يُناقَش على شاشات العالم — وهم لم يُحرّكوه، لم يُغيّروا موقعه، لم يُعيدوا ترتيب حمايته! تركوا عمامته منشورةً على حبل الغسيل فوق السطح — كأن الرجل لم يكن مرشداً يُحمى، بل رمزاً يُستهلك!

فإما أنهم عجزوا — وهذا يهدم أسطورة الدولة العميقة المنيعة التي روّعت المنطقة أربعين عاماً! وإما أنهم حسبوا — وهذا أنكى: أنهم وزنوا بين حماية المرشد وحماية النظام فاختاروا النظام! وإما — وهذا ما يُقلق النوم حقاً — أن الرجل في حساباتهم الداخلية كان قد انتهى دوره أصلاً، وورقة المجلس الجاهزة كانت تقول ذلك بصمت أبلغ من أي اغتيال!

لأن من يُعدّ وثيقة الخلافة يعرف أن ما يحرسه يموت! ومن يعرف أن ما يحرسه يموت ويُعلن أنه أبدي — لا يكذب على الآخرين فحسب! يكذب على نفسه أولاً! وهذا النوع من الكذب أشد فتكاً لأنه لا يترك موضعاً للتوبة، ولا هامشاً للعذر، ولا مخرجاً شريفاً حين ينكشف!

ساعي البريد في أصل وظيفته لا يملك شيئاً — يحمل فقط!

لكن ما حدث في إيران منذ 1979 هو أن ساعي البريد وصل إلى الباب، نظر في المظروف، وقرر أنه هو الرسالة! ليس لأنه مجنون — بل لأن أحداً لم يمنعه!

والسلطة التي لا يمنعها أحد لا تتوقف عند حد تضعه لنفسها — تتوقف فقط حين يتذكر الموكِّل أنه لم يوقّع شيئاً!

الخوف في إيران لم يكن أداة حكم فحسب — كان صناعة متكاملة تُنتج ضرورة الحارس! اصنع الخطر، ثم بِع الحماية، ثم احتكر تعريف الخطر نفسه! ثلاث خطوات لا تحتاج رصاصة واحدة طالما يصدّق المحكوم أن الجدران التي تحبسه هي التي تحميه!

والأذكى في هذه الصناعة أنها تجعل الضحية تدافع عن قفصها بنفسها — لا خوفاً من السجّان، بل يقيناً راسخاً بأن ما وراء القضبان أسوأ مما بداخلها!

الصاروخ الذي يُطلق دائماً بعيداً عن هدفه ليس فشلاً عسكرياً — هو بيان دبلوماسي بلغة الصاروخ!

سليماني اغتيل والثأر جاء بصواريخ أصابت قاعدة فارغة، بأرقام خسائر مُعلَنة سلفاً وبدقة تُثير الريبة! فخري زاده صُفّي على طريق إيراني أمام زوجته والرد جاء تصريحاً يشتعل وفعلاً يخمد! هنية اغتيل في غرفته في طهران — في المبنى الذي كان يُفترض أنه درع — والخطوط الحمراء لم تصمد طويلاً أمام حسابات البقاء!

في كل مرة: لغة تتصاعد، وفعل يتراجع، وجمهور يُشحن ثم يُفرَّغ!

المسرحية هي السياسة! والهزيمة المُتحكَّم بها أنفع استراتيجياً من النصر الذي يُغلق المسرح!

البوارج الأمريكية كانت في المرمى سنوات ولم تُمَسَّ يوماً واحداً — ليس عجزاً تقنياً، بل لأن العدو الحي يساوي في السوق الاستراتيجية أضعاف العدو المهزوم! الحرب الحقيقية تنهي الحاجة إلى الوسيط! والوسيط لا يُنهي حاجته إلى نفسه!

لكن المسرحية تحتاج ديكوراً، والديكور يحتاج خشبة، والخشبة تحتاج أجساداً تقف عليها!

اليمنيون ماتوا في بحر لا يعرفونه دفاعاً عن معادلة لا تخصّ جوعهم بشيء! واللبنانيون حملوا في أجساد أطفالهم حرباً لم يُدعوا يوماً إلى طاولة قرارها — لا بدعوة رسمية، ولا بسؤال عابر! والفلسطيني في غزة احترق بنيران كان يُفترض أنها تشتعل لمصلحته، لكن أحداً في طهران لم يسأله يوماً: أي نيران تريد؟ ومتى؟ وبأي ثمن تقبل أن تدفع؟!

محور المقاومة لم يكن محوراً بالمعنى الهندسي الذي يوزّع الثقل على أطرافه — كان أنبوب ضخّ أحادي الاتجاه: الخسائر تسير نحو الأطراف، والألقاب تعود إلى المركز!

وحين عاد الخطر إلى المركز مكشوفاً اكتشف ما لم يكن يريد اكتشافه: أن الحشوة التي كانت تمتص الضربات كانت دائماً أجساد من لم يُوكِّلوا أحداً — ولم يُسألوا، ولم يُستشاروا، ولم يُدعَوا إلى أي طاولة في أي يوم!

والجريمة الأعمق لم تُرتكب في ميدان ولا في سجن — ارتُكبت في الذاكرة!

الحسين بن علي قُتل لأنه رفض أن يكون الدين أداةً في يد السلطان! رفض ببساطة مطلقة لا تأويل فيها ولا مراوغة ولا حساب! وهذا الرجل تحديداً، بهذا الموقف تحديداً، صار الرمز الذي يُبكى عليه في موسمه المُجدوَل، في موكب سنوي يُنتج — بكل دمعة وكل لطمة — طاعةً لسلطة لا تُسأل!

أن تأخذ أعظم رمز للرفض في تاريخ أمة وتُشغّله مصنعاً للقبول — هذا ليس نفاقاً سياسياً! هذا تحويل جراحي في المعنى، يحتاج جيلاً ليُكشف، وجيلاً ليُصحَّح، وجيلاً ثالثاً ليُبنى فوق ما أفسده!

الإسلام حين يصير احتكاراً يفقد ما لا تُعيده أي استعادة: يفقد كونه سؤالاً مفتوحاً! والدين الذي لا يُسأل لم يعد ديناً — صار جداراً بلغة القدس!

وحين يُمنح إنسان صلاحية النبي باسم الدين يصير كل نقد له هرطقة، وكل هرطقة مؤامرة، وكل مؤامرة دليلٌ على صحة الخوف الذي صنعه في الأصل! الدائرة تُغلق نفسها بنفسها! والمسجون يحرسها من الداخل بقناعاته هو — لا بأمر سجّانه!

وداخل إيران كان الحساب أصمت وأوجع!

ثروة تذهب إلى حروب لا تعنى بالجوع الذي يصنعها! طوابير خبز في بلد يملك ثالث احتياطي نفط في العالم! مواطن يسمع “لبيك يا خامنئي” في الإذاعة الصباحية بينما يحسب ثمن الدواء مساءً!

شعب أمضى أربعة عقود يدفع ثمن قرارات لم يُستشر فيها يوماً — لا حين اتُّخذت، ولا حين كلّفت، ولا حين أخفقت!

وحين خرج أخيراً يقول “لا غزة ولا لبنان” لم يكن يخون قضية عادلة — كان يُعلن بصوت الشارع ما عجز عنه أي قانون: أن التوكيل الذي لم يوقّعه يوماً قد انتهى من طرف واحد!

وحين صوّر الغارات بهاتفه ليلاً وأرسلها لجاره، لم يكن يحتفل بالغازي — كان يُبلّغ رسالة حُجبت أربعة عقود: الوكيل لم يكن يمثّلني! لم يكن يمثّلني يوماً واحداً! وها هو رحل وأنا ما زلت هنا!

إيران لم تسقط حين اخترقت الصواريخ سماءها!

سقطت حين فتح أحدهم درجاً وأخرج ورقة! لأن الورقة قالت ما لم تقله أي صاروخ: نحن كنا نعرف! كنا نعرف طوال الوقت! كنا نعرف ونُعلن عكسه في الوقت ذاته!

وهذا — لا الضعف العسكري ولا الحصار الاقتصادي ولا الصواريخ التي أصابت — هو الانهيار الذي لا يُعاد بناؤه بنظام جديد! لأن الشرعية التي تنهار باعتراف صاحبها لا تُستعاد بانتخاب ولا بثورة ولا بمعجزة! تُستعاد فقط بحقيقة مختلفة — وهذه تحتاج من يبنيها، لا من يرثها!

هذه هي الجريمة التي لم يُسمِّها أحد في طرفي المشهد — لا من احتفل بالسقوط ولا من نعاه!

أن نظام الملالي لم يُفشل مشروع دولة فحسب — بل أعار التاريخ نسخةً من الإسلام السياسي قد تظل هي المرجع الأول المتاح لعقود، ما لم يقرر أصحاب هذا الدين أنفسهم أن يستردّوا بريدهم ممن حمله دون أن يُعيَّن، ووزّعه دون أن يُفوَّض، واحتكره دون أن يملك منه حرفاً واحداً!

الفراغ الذي يخلّفه وكيل مزيّف لا يملؤه وكيل جديد يحفظ العقد ذاته بحبر مختلف!

والشعوب التي تقرر أنها لا تحتاج وسيطاً بينها وبين مستقبلها لا تتحرر بليلة واحدة — تتحرر بشيء أهدأ وأطول وأصعب: بأن تتذكر أنها لم تُوقّع شيئاً! وأن بريدها كان ينتظرها طوال الوقت، خلف باب لم يكن مقفلاً يوماً — بل كان مكتوباً عليه “ممنوع الدخول” بخط من لم يملك المفتاح أصلاً!

والشعب الإيراني يعرف ذلك!

وعرفه منذ وقت أطول مما أدرك أيٌّ أحد!

Share This Article