وكالة تليسكوب الإخبارية | بقلم لما شطاره
فتحت الفاجعة الأخيرة التي هزت وجدان الشارع الأردني في محافظة الكرك باباً واسعاً لتساؤلات مريرة لم يعد من الممكن التغاضي عنها ؛ إذ لم تكن تلك الحادثة مجرد خبر عابر في سجل الجرائم المحلية، بل كانت صرخة مدوية تضعنا أمام مرآة المجتمع لنواجه حقيقة ما يفعله التفكك الأسري والضغط النفسي في الأنفس البشرية. إنها تدفعنا لتحليل تلك اللحظة التي يتحول فيها الأب، الذي يُفترض أن يكون الحصن والمنيع، إلى يدٍ تنهي حياة قطع من روحه، وتجبرنا كصحفيين وباحثين على النبش فيما وراء الفعل الجرمي، لفهم تلك الإنفجارات النفسية الناتجة عن تراكمات تبدأ من شرخ الزوجية وتنتهي بمآسٍ لا رجعة فيها ، تثبت الوقائع أن الجريمة حين تخرج من رحم “الإعتدال” الظاهري ، ومن أشخاص لم يعرف عنهم سوى الالتزام والسيرة الحسنة في صروحهم الأكاديمية والمهنية، فإنها تكشف عن انهيار داخلي صامت بعيد كل البعد عن تأثير المواد المخدرة أو الانحرافات السلوكية التقليدية. هنا، يتجلى ما يسميه علماء النفس “الذهان الظرفي”، حيث يقع الرجل تحت فخ العجز المكتسب عندما تتشتت أسرته بين المدن، وتتباعد المسافات بينه وبين أطفاله، إن تحول الأطفال في النزاعات الزوجية إلى “أوراق ضغط” أو أدوات لتصفية الحسابات يخلق بيئة مسمومة من التوتر المستمر ، وحين يجتمع هذا التفكك مع شعور الرجل بـ “الحصار المادي” والاجتماعي، يتولد لديه شعور بالاضطهاد قد يدفعه لرؤية الموت كـ “خلاص” لأطفاله من حياة يراها بائسة ، أو كفعل انتقامي يائس ينهي به صراعه مع واقع لم يعد يحتمله. هذا المنطق المشوه لا ينبع من شر محض بقدر ما ينبع من انغلاق ذهني يجعل الفرد يرى النهاية هي الحل الوحيد المتاح أمام المطالبات المادية القاسية والخذلان العاطفي العميق ، لحماية المجتمع من تكرار هذه الفواجع، لم يعد كافياً الركون إلى القوانين الجامدة التي تركز فقط على تحصيل الحقوق المالية، بل نحن بحاجة ماسة لثورة في إدارة الانفصال عبر وحدات دعم نفسي وإرشاد اجتماعي إجبارية ترافق قضايا الطلاق ، إن وقاية المجتمع تبدأ من كسر حاجز الصمت حول الصحة النفسية للرجل ، والإعتراف بأن الضغط المادي حين يصل إلى طريق مسدود قد يحول أكثر الناس استقامة إلى ضحية لليأس قبل أن يصبح جلاداً ، إننا اليوم أمام ضرورة ملحة لخلق ثقافة “الطلاق الآمن” التي تفصل بين الخلافات الشخصية وحق الأطفال في الحياة، وتعيد صياغة القوانين لتكون أكثر مرونة ورحمة ، تأخذ بعين الاعتبار طاقة الإنسان النفسية قبل قدرته المالية ، كي لا تظل براءة الطفولة ثمناً لتمزق الروابط الأسرية وعثرات الآباء.

