وكالة تليسكوب الاخبارية – بقلم: مؤيد أحمد المجالي
في عالمٍ لم تعد تُقاس فيه قوة الدول بعدد الدبابات والطائرات الحربية فقط، بل بقدرتها على التحكم بالرواية والمعنى والصورة، أصبحت “السردية الوطنية” واحدة من أخطر أدوات الصراع السياسي والثقافي في القرن الحادي والعشرين.
فالدول التي تفشل في كتابة قصتها بنفسها، يكتبها الآخرون عنها… وغالبًا ضدها.
ومن هنا يبرز السؤال الأردني الكبير:
ما هي السردية الأردنية أصلًا؟
ومن يصنعها؟
ولماذا تبدو اليوم ضرورة وجودية لا مجرد خطاب سياسي أو مادة إعلامية؟
الحقيقة أن السردية الأردنية ليست شعارًا رسميًا عابرًا، ولا حملة علاقات عامة، ولا مجرد إعادة رواية للتاريخ، بل هي “القصة الكبرى” التي تفسر لماذا وُجد الأردن، وكيف صمد، وما الذي يجمع شعبه، وما هو دوره في هذا الإقليم المشتعل منذ قرن.
إنها الإطار الذي يربط بين الثورة العربية الكبرى، وتأسيس الإمارة، وبناء الدولة، والجيش العربي، والهوية الوطنية، والتحديات الجيوسياسية، والقضية الفلسطينية، والاستقرار، وفكرة الدولة الحديثة نفسها.
السردية هنا ليست رواية عن الماضي فقط، بل تفسير للحاضر، وخريطة للمستقبل.
الدول القوية لا تعيش على الجغرافيا وحدها، بل على “المعنى”
والشعوب لا تصمد فقط بالقوانين، بل بإيمانها بقصة وطنها.
ولهذا لم يكن غريبًا أن تتحول السرديات الوطنية عالميًا إلى جزء من الأمن القومي.
فالولايات المتحدة تملك سردية “الحلم الأمريكي”، وفرنسا تبني جمهوريتها على سردية الثورة والعلمانية، والصين على سردية النهوض التاريخي واستعادة المكانة، بينما تخوض دول كثيرة اليوم حروبًا كاملة على الوعي والذاكرة قبل الأرض.
أما الأردن، فقد وُلد أصلًا في قلب العاصفة.
دولة نشأت وسط انهيار الإمبراطوريات، ونجت من الحروب والانقلابات والمشاريع الإقليمية العنيفة، واستمرت رغم شح الموارد، وضغط الجغرافيا، وتعقيدات الهوية، وتحولات الإقليم.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية السردية الأردنية.
فهي ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة لحماية التماسك الوطني في مجتمع متنوع الامتدادات والخلفيات، ولتفسير فكرة الدولة للأجيال الجديدة التي لم تعش مراحل التأسيس، ولم تعد تقتنع بالشعارات التقليدية وحدها.
الأخطر أن الفراغ السردي لا يبقى فارغًا.
عندما تضعف الرواية الوطنية، تتسلل روايات بديلة:
– قبلية،
– فئوية،
– أيديولوجية،
– طائفية،
– عابرة للحدود،
– أو حتى روايات رقمية يصنعها “الترند” أكثر مما يصنعها التاريخ.
ولهذا فإن معركة السردية اليوم ليست معركة ثقافية فقط، بل معركة وعي وسيادة واستقرار.
لكن السؤال الأهم: من يصنع السردية الأردنية؟
الإجابة المعقدة هي: الجميع… أو يفترض أن يكون الجميع.
الدولة تصنع جزءًا منها عبر التعليم والإعلام والخطاب الرسمي والرموز الوطنية، والقيادة السياسية ترسم اتجاهها العام، والجيش العربي يمنحها بعدها التاريخي والوجداني، لكن هذا وحده لا يكفي.
السردية الحقيقية لا تُفرض بالكامل من الأعلى، بل تنجح عندما يتبناها المجتمع نفسه.
وهنا يأتي دور:
– الكاتب،
– والمؤرخ،
– والفنان،
– والدراما،
– والجامعة،
– والإعلام،
– وحتى المواطن العادي.
فالأمم لا تتذكر عبر الوثائق فقط، بل عبر القصص والصور والأغاني والرموز والذاكرة الجماعية.
ولهذا تعاني كثير من الدول العربية من أزمة سردية، لا لأنها بلا تاريخ، بل لأنها فشلت في تحويل هذا التاريخ إلى قصة وطنية حية يفهمها الجيل الجديد ويشعر بأنها تمثله.
السردية الأردنية أيضًا لا يمكن أن تقوم على تمجيدٍ جامد أو إنكارٍ للأزمات.
السردية الذكية ليست آلة دعاية، بل رواية صادقة تعترف بالتحديات وتُبقي الأمل ممكنًا.
فالجيل الجديد لا يريد خطابًا خشبيًا، بل يريد أن يرى انعكاس الوطن في:
– العدالة،
– والفرص،
– وسيادة القانون،
– والتعليم،
– والكرامة،
– والكفاءة،
– والمشاركة الحقيقية.
وهنا تحديدًا يُختبر صدق أي سردية وطنية.
لأن السردية لا تعيش بالشعارات وحدها، بل عندما يشعر المواطن أن له مكانًا داخل القصة الوطنية، لا أنه مجرد متفرج عليها.
أما عناصر السردية الأردنية، فهي متعددة ومتداخلة:
– التاريخ التأسيسي للدولة،
– الثورة العربية الكبرى،
– الجيش العربي،
– الهوية الوطنية الجامعة،
– القضية الفلسطينية،
– الاعتدال السياسي،
– الاستقرار،
– دور الأردن الإقليمي،
– فكرة الدولة المدنية،
– والقدرة على البقاء وسط الإقليم المضطرب.
لكن هذه العناصر تحتاج دائمًا إلى إعادة إنتاج بلغة العصر.
فالمعركة الحديثة لم تعد فقط على الأرض، بل على الوعي الرقمي أيضًا.
واليوم يمكن لمنصة إلكترونية أو محتوى مضلل أو حملة إعلامية منظمة أن تهز سردية دولة كاملة إذا كانت هشّة أو متناقضة أو بعيدة عن الناس.
ولهذا أصبحت الدول الحديثة تستثمر في:
– الذاكرة الوطنية،
– والدراما،
– والتعليم،
– والمحتوى الرقمي،
– والقوة الناعمة،
– وصناعة الصورة الذهنية عالميًا.
لأن العالم لم يعد يسأل فقط:
“كم تملك الدولة من قوة؟”
بل أيضًا:
“ما قصتها؟ وهل يصدقها شعبها؟:
وفي الحالة الأردنية، تبدو الحاجة إلى سردية حديثة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
سردية لا تكتفي بتكرار الماضي، بل تشرح المستقبل.
ولا تقوم على الخوف، بل على الثقة.
ولا تبني الانتماء بالعاطفة فقط، بل بالمواطنة والعدالة والإنجاز.
فالدول قد تنجو بالسلاح لفترة…
لكنها لا تستمر طويلًا إن خسرت المعنى.

