وكالة تليسكوب الاخبارية
لم تكن جدران مخبز في مركز العياط جنوب الجيزة مجرد شاهدة على لقمة العيش، بل تحولت في غفلة من الزمن إلى مسرح لدراما إنسانية شديدة التعقيد، بدأت بفصل من فصول الخطيئة، وانتهت برائحة الموت والرماد وحبل المشنقة الذي يسدل الستار على حياة خمسيني قاده الخوف من الفضيحة إلى ارتكاب جريمة كاملة أو هكذا ظن.الخطيئة تدق باب فرن العياط
في البداية، كانت الأمور تسير في مسارها السري المعتاد. سيدة ثلاثينية تجمعها بالمتهم صلة قرابة وجيرة، ونزوة دامت لعام كامل. كان المخبز الذي يعمل به “سيد” هو الملاذ الآمن لخطواتهما المحرمة.
وفي إحدى الليالي، تسللت الجارة كعادتها إلى الداخل، وأغلق حبيبها باب الفرن الحديدي ظانًّا أن ستر الظلام يحميهما، لكنه لم يكن يعلم أن ثمة عينًا كانت تترصد الخطا، وأن ثمن غلق هذا الباب سيكون باهظًا جدًا.
دقائق معدودة، وتحول الصمت إلى طرقات عنيفة على الباب، يحمل معها صوت “كريم”، الشاب الجار الذي التقط الخيط: “افتح يا عم سيد.. أنا كريم وعارف مين معاك جوه”.
المساومة المريرة
سقطت الصاعقة على رأس الخمسيني، فتح الباب والارتجاف يتملكه، لتتحول اللحظة إلى ساحة للإذلال. لم يكتف الشاب بالصفع والشتائم، بل وجد في ستر جاره دجاجة تبيض ذهبًا لتأمين مستقبله. طلب 100 ألف جنيه، ثم هبط بها إلى خمسين ألفًا، وسط توسلات عاجزة من رجل يرى خريف عمره ينهار أمام عائلته.
“قعدت أتحايل عليه وأبوس إيده ورجله لكنه صمم”، حاول صاحب الفرن استمالة جاره لكن دون جدوى. تحت وطأة التهديد، سلمه 5 آلاف جنيه كانت كل ما يملك في بيته، لكن طمع “كريم” لم يتوقف عند المال، بل امتد ليتجاوز كل الخطوط الحمراء.
عاد الشاب للمخبز، واقتحم الغرفة الداخلية مستبيحًا الشرف، بل ووثق الفضيحة بكاميرا هاتفه ليكون “الفيديو المخل” سيفًا مصلتًا على رقبة “سيد”.
خطة جريمة في عتمة الليل
أيام طويلة مرت على المتهم كأنها الدهر، تحول فيها الجار الشاب إلى كابوس يلاحقه في غدوه ورواحه؛ نظرات ساخرة، وضحكات مستفزة، وإشارات مريبة للهاتف المحمول تكاد تقتل “سيد” من الرعب النفسي.
طار النوم من عينه، وتملكته فكرة واحدة : “يجب أن يختفي هذا الهاتف وتختفي معه الفضيحة”.
في جوف الليل، وفي لحظة تحول فيها الخوف إلى غريزة قتل عمياء، استل “سيد” ماسورة حديدية ثقيلة من الفرن، وتسلل إلى منزل جاره.
كان “كريم” مستغرقًا في نومه، غارقًا تحت لحافه.
لم يتردد المتهم، انهال بالحديد على رأس الشاب بضربات متتالية حطمت جمجمته وسكنت معها أنفاسه إلى الأبد.
النار لا تخفي الأسرار
لم ينتهِ المشهد الدرامي هنا؛ إذ أراد المتهم محو كل أثر. عاد إلى مخبزه، ملأ وعاءً بالسولار، وسكبه فوق جثة القتيل ومحتويات غرفته، ثم أشعل عود ثقاب مستخدمًا ولاعة الضحية نفسه. تصاعدت ألسنة اللهب، وخرج المتهم يهرول متظاهرًا بالفزع مع الجيران الذين هبوا لإطفاء الحريق، ظانين أنه حادث عابر.
15 يومًا عاشها القاتل في وادٍ من الندم والترقب، حتى دقت الشرطة بابه. وأمام رجال المباحث بالمركز، انهار الحصن النفسي للمتهم، ليعترف بكل شيء وعيناه تفيضان بالدموع، قائلًا : “كنت تعبان نفسيًا وندمان على اللي عملته”.
حبل المشنقة يستقبل الندم
لم تشفع دموع الندم المتأخرة لصاحبها؛ فالقانون لا يحمي المغفلين ولا يبرر الدماء. وبعد تداول القضية أمام الدائرة الخامسة بمحكمة جنايات القاهرة، جاء حكم العدالة قاطعًا كالسيف بالإعدام شنقًا للمتهم بعد أخذ رأي مفتي الجمهورية، ليسدل الستار على قصة بدأت بنزوة، ومرت بابتزاز مهين، وانتهت بدم ونار ومشنقة تنظر آثمًا.

