وكالة تليسكوب الاخبارية – بقلم: ايمان الحنيطى٠٠٠
تعيش شريحة من شبابنا اليوم أزمة هوية تتجلى في الانبهار بالمظاهر وتقليد ما لا يشبه قيمهم، حتى باتت ملامح الشخصية الأصيلة تتراجع أمام صور مستوردة لا تعبر عن تاريخنا ولا ثقافتنا. وهذه ليست قضية شكلية، بل شأن يمس مستقبل الأمة وقدرتها على الحفاظ على هويتها وقيمها.
وفي زمن تتسارع فيه المؤثرات وتتزاحم فيه النماذج القادمة من كل اتجاه، أصبح الشاب محاطًا برسائل تدفعه إلى قياس قيمته بما يظهره لا بما يحمله من مبادئ وقدرات. وبين التقليد الأعمى وبريق المظاهر، تبرز الحاجة الملحة إلى استعادة معنى الأصالة والاعتزاز بالهوية، لأن الأمم لا تُبنى بأشكال أبنائها بقدر ما تُبنى بما يملكونه من وعي وأخلاق وإرادة.
فالأوطان تعقد آمالها على شبابها ليكونوا حراس الغد وسند المستقبل، غير أن بعضهم انجرف وراء تقليد أنماط ومظاهر لا تنتمي إلى بيئتنا ولا تعكس منظومتنا القيمية، حتى غدا الاهتمام بالشكل يطغى أحيانًا على جوهر الشخصية وما تحمله من خلق ومسؤولية.
لقد تسارعت خلال السنوات الأخيرة وتيرة انتقال السلوكيات والمظاهر الوافدة، فظن بعض الشباب أن التميز يكمن في تقليد كل جديد، وأن الحداثة تعني التخلي عن الخصوصية الثقافية. وفي خضم هذا الاندفاع، تراجعت لدى البعض معاني الوقار والاعتداد بالنفس التي كانت تمثل صورة الشاب المسؤول والقادر على الإسهام في بناء مجتمعه.
ولو عاد شبابنا إلى صفحات التاريخ المشرق، لأدركوا أن الهيبة لا تُصنع بالمظاهر العابرة، وإنما تُبنى بالعلم والخلق والعزيمة والإنجاز. فهذا أسامة بن زيد رضي الله عنه يقود جيشًا يضم كبار الصحابة وهو لم يبلغ العشرين، في صورة ناصعة لمعنى الثقة والكفاءة وتحمل المسؤولية. وهناك محمد بن القاسم الثقفي الذي دوّن اسمه في صفحات التاريخ قائدًا فاتحًا وهو في سنٍّ يقضيها كثير من شباب عصرنا اليوم بين اللهو والانشغال بالتفاصيل الهامشية.
وعندما نتأمل سيرة صلاح الدين الأيوبي، لا نقف أمام مجرد قائد عسكري أو فاتح عظيم، بل أمام نموذج للجدية والانضباط والإحساس بالرسالة. لم تشغله المظاهر عن أهدافه الكبرى، فبقي اسمه رمزًا للعظمة والقيادة، بينما اندثرت أسماء كثيرة عاشت أسيرة للشكل دون المضمون.
إن المؤلم حقًا أن يتحول بعض أبناء الأمة إلى نسخ باهتة من أنماط ثقافية مستوردة لا تضيف إلى شخصياتهم قيمة حقيقية، في وقت تحتاج فيه المجتمعات إلى شباب يمتلكون العلم والوعي والصلابة الأخلاقية وروح المبادرة. فالأوطان لا تنهض بالأزياء والصرعات الهاملة، وإنما بالعقول المستنيرة والسواعد العاملة والنفوس التي تعرف معنى الانتماء والمسؤولية.
ومن هنا فإن الدعوة ليست إلى رفض العصر أو الانغلاق عن العالم، بل إلى التمييز بين ما يطوّر الإنسان وما يفرغه من مضمونه. فالاعتزاز بالهوية لا يتعارض مع الانفتاح، بل إن الأمم القوية هي التي تتقدم وهي متمسكة بجذورها وقيمها.
لكن السؤال الأهم ماذا يحدث لأمةٍ حين يفقد شبابها ثقتهم بهويتهم ويبحثون عن ذواتهم في مرايا الآخرين؟ إنها بداية تآكلٍ صامت ينعكس على الشخصية والمجتمع والمستقبل، ولذلك تصبح قضية الأصالة والهوية قضية وعي ومسؤولية قبل أن تكون مجرد نقاش ثقافي.
كما أن جزءًا من المشكلة لا يكمن في المؤثرات الخارجية وحدها، بل في حالة التراخي التي وقع فيها بعض الشباب حين استبدلوا الطموح بالاستعراض، وبناء الذات بملاحقة التفاهات. فكم من شاب يستهلك ساعات طويلة أمام الشاشات، بينما يعجز عن استثمار جزء من وقته في تعلم مهارة أو قراءة كتاب أو تطوير نفسه. إن الأمم تتقدم بأبنائها حين يتحملون مسؤولياتهم ويشاركون في صناعة المستقبل بدل الاكتفاء بمشاهدته.
يا شبابنا، أنتم زينة الأوطان وعدتها، وأنتم الأمل الذي تتطلع إليه الأجيال القادمة. فاجعلوا من وقاركم عنوانًا لشخصياتكم، ومن أخلاقكم مرآة لتربيتكم، ومن علمكم وعملكم طريقًا إلى المجد الحقيقي. عودوا إلى المعاني التي صنعت الرجال العظام، واستلهموا من تاريخكم ما يعيد إلى الشوارع هيبة الرجال، وإلى المجتمع صورة الشاب الذي يُعتمد عليه ويُفخر به. فالأمة التي تحفظ شخصية شبابها تحفظ مستقبلها، والأمة التي تفقد هويتها تفقد بوصلتها نحو الغد وتفتح أبواب الضعف والتراجع أمام أجيالها القادمة؛ فتمسكوا بقيمكم، واعتزوا بأصالتكم، وابدؤوا من اليوم صناعة مستقبل يليق بكم وبأمتكم.

