وكالة تليسكوب الإخبارية | لما شطاره
في بلدٍ لا يتجاوز فيه الحد الأدنى للأجور حاجز الـ 290 دينارًا أردنيًا، يبدو أن بورصة العقارات قد قررت التحليق في فضاءٍ آخر منفصل تمامًا عن واقع المواطن المعيشي وقدرته الشرائية، لتتحول أزمة الإيجارات الخانقة والارتفاع الجنوني في الأسعار إلى كابوس يومي يلتهم رواتب الموظفين قبل أن تصدر، مهددًا الاستقرار الأسري لآلاف العائلات الأردنية التي وجدت نفسها فجأة ضحية لسوق عقاري لا يرحم. وتتجلى فصول هذه المعاناة في شروط الملاك التعجيزية التي تضع المستأجرين أمام خيارات مستحيلة، حيث يواجه مواطنون قضوا سنوات طويلة ملتزمين بدفع إيجاراتهم قرارات جائرة تطالبهم بإخلاء منازلهم فورًا أو القبول برفع قيمة الإيجار لتتراوح ما بين 400 إلى 500 دينار شهريًا، وهو ما يعادل فاتورة سنوية ضخمة تتراوح بين 6,000 إلى 7,000 دينار، يصر العديد من أصحاب البيوت على تحصيلها كاملة وبشروط دفع مجحفة دون أي مراعاة لظروف الناس. إن هذه الأرقام الصادمة تكشف عن مفارقة رياضية مستحيلة يعجز العقل عن استيعابها؛ فكيف لراتب أساسي لا يصل إلى ثلاثمائة دينار أن يغطي إيجار شقة يتجاوز الأربعمائة دينار؟ إنها ليست مجرد معادلة مالية بل هي عملية خنق ممنهجة للطبقة الوسطى والفقيرة، تجبر رب الأسرة على الاستدانة والغرق في ديون لا تنتهي، أو الاضطرار للرحيل والتشرد في أطراف المدن البعيدة عن أماكن العمل والخدمات الأساسية. وتتفاقم هذه الكارثة الإنسانية والاقتصادية في ظل غياب وجود سقوف سعرية واضحة وملزمة لرواد السوق العقاري، مما يترك المستأجرين تحت رحمة قانون العرض والطلب الذي يفسره بعض الملاك بـ”الجشع المطلق”، لتشهد الأسعار قفزات عشوائية ومفاجئة لا تستند إلى جودة بناء أو تحسين في الخدمات، بل تُفرض “على كيف المالك” مستغلة حاجة البشر الماسة لسقف يأويهم. وعندما يبحث المواطن المطحون عن بديل، يصطدم بحقيقة أن الشقق التي كانت تُعرض بأسعار مقبولة في الماضي باتت اليوم حلمًا بعيد المنال، وكأن هناك تحالفًا غير مكتوب لرفع الأسعار فوق طاقة الحياة اليومية وفوق طاقة البشر. إن ما يحدث اليوم في سوق الإيجارات في الأردن ليس مجرد طفرة عقارية عابرة، بل هو تهديد مباشر للأمن الاجتماعي وتدمير لطموحات الشباب المقبلين على الزواج الذين باتوا عاجزين عن بناء مستقبل، وإهانة لكرامة العائلات التي يذهب شقاء عمرها وقوت عيالها بالكامل لسداد إيجار شقة لا تتجاوز بضعة أمتار، مما يرفع صرخة جماعية في وجه الجهات المعنية بضرورة التدخل الحازم وفرض رقابة صارمة وتشريعات توازن بين حقوق الملاك وتحمي المستأجر من التغول، قبل أن تنفجر هذه الفقاعة العقارية وتحول شريحة واسعة من المجتمع إلى عاجزين عن دفع ثمن مأواهم.

