وكالة تليسكوب الإخبارية – بقلم نهار جديع السعودي
مفهومها : هي عرف اجتماعي عشائري يقضي بترحيل أهل الجاني وأقاربه (حتى الجد الخامس كما كان سابقا ) من منطقة سكنهم إلى مكان آخر عند حدوث جريمة قتل ، تهدف لحقن الدماء وحماية عائلة الجاني من ردود الفعل العنيفة، خاصة في الساعات الأولى لوقوع الجرائم الكبرى كـ القتل أو العرض، والمعروفة بـ “فورة الدم”.
فهي عرف عشائري موروث وليست هدفاً وغاية بحد ذاتها ولا هي عقوبة جماعية يقصد بها الإضرار بالناس وممتلكاتهم ومصالحهم التجارية والزراعية والصناعية كما يصورها البعض ،
بل هي عرف اجتماعي حصيف نشأ في بيئة عشائرية هدفه الأول حقن الدماء ومنع اتساع دائرة الجريمة والثأر والحفاظ على الممتلكات العامة واحترام أهل القتيل وصاحب الحق بابعادهم عنه احتراما وتقديرهم لهم ولمشاعرهم بما اصابهم ،
وإعطاء النفوس فرصة للهدوء حتى يقول القضاء و القانون كلمته وياخذ مجراه وتسود لغة العقل على لغة الغضب والانفعال وتسير الاعراف العشائرية بالاصلاح وتقريب وجهات النظر جنبا الى جنب مع الاجراءات القضائية القانونية ،
فعندما تقع جريمة قتل يكون الاحتقان والعصبية القبلية في ذروتهما وتكون احتمالية وقوع ردات فعل وانتقام معاكسة ومتبادلة كبيرة جداً وهنا جاءت الجلوة كإجراء احترازي مؤقت يحول دون وقوع جرائم جديدة ومرتدّة ويحفظ أرواحاً لا ذنب لها إلا أنها تنتمي بحكم الدّم إلى أسرة أو عشيرة الجاني ،
ولهذا بقي هذا العرف لعقود طويلة وساهم في كثير من الحالات في منع سفك المزيد من الدماء بعد رمي الوجوه على الطرفين حتى يتم الصلح أو يقول القضاء كلمته بكل حكمة وروية وشفافية ونزاهة
ولا شك أن أي عرف اجتماعي قابل للمراجعة والتحديث والتطوير بما ينسجم مع مستجدات الحياة اليومية وتغير الظروف الحياتية للمجتمعات ومع دور الدولة وسيادة القانون ،
أرى أن إلغاء الجلوة لا يكون بمجرد كثرة الأصوات المطالبة بذلك ومبرراتها ،بل لا بد من توفير بديل يحقق الغاية نفسها والهدف الذي وجدت من أجله وهي حماية الأرواح والممتلكات ومنع الثأر وطمأنة أهل الدم بأن العدالة ستأخذ مجراها دون تأخير أو تهاون
ومن هنا فإن الحديث عن إلغاء الجلوة يجب أن يقترن برمي الوجوه على الطرفين وعقوبة تقطيع الوجه تكون صارمة ومغلظة بدعم من الدولة وبدون تهاون وبتطبيق حازم وسريع لأحكام القضاء وفي مقدمتها تنفيذ حكم الإعدام في جرائم القتل العمد وقضايا العرض متى أصبح الحكم قطعياً وفق القانون مع بقاء الحق الشرعي والقانوني لأولياء الدم في العفو والصفح إذا اختاروا ذلك ابتغاءً للأجر ،
الإصلاح والعفو يبقى من أسمى القيم ولا يفرض على أحد وإنما هو حق خالص لأصحاب الدم يتكرموا به بدون ضغوطات تضيع حقوقهم
إن تحقيق العدالة في التقاضي هو الضمان الحقيقي لاستقرار المجتمع فإذا شعر الناس أن القانون ينصف المظلوم ويقتص من الجاني بالسرعة والحزم اللذين يحققان الردع تراجعت دوافع الأخذ بالثأر والتكرار وضعفت الحاجة إلى كثير من الإجراءات الاحترازية التي فرضتها ظروف الماضي
المطلوب اليوم ليس الصدام بين القانون والعرف العشائري بل إيجاد معادلة تحفظ هيبة الدولة وتحمي المجتمع وتصون الأرواح والممتلكات الخاصة فالغاية التي وجدت من أجلها الجلوة هي حفظ الدماء واحترام أولياء الدم بالبعد عن انظارهم ولو لفترة موقتة ، وإذا استطاع القانون أن يحقق هذه الغاية بكفاءة وعدالة وسرعة فإن المجتمع سيكون أكثر اطمئناناً واستقراراً مع بقاء باب العفو والصفح مفتوحاً لمن أراد الصفح ابتغاء مرضاة الله.
اخوكم/ نهار جديع السعودي
الجلوة العشائرية

