وكالة تليسكوب الإخبارية
تستعد العاصمة الأردنية عمَّان لدخول مرحلة بيئية جديدة ستغير من طبيعتها الحضرية وتمنح سكانها مساحة أرحب للتنفس والهدوء؛ حيث تتجه أمانة عمَّان الكبرى بخطى متسارعة نحو صياغة مستقبل أخضر للمدينة ينهي عقوداً من طغيان الكتل الإسمنتية والتمدد العمراني المتسارع وسط التضاريس الجبلية المعقدة، لتتحول الحدائق والمساحات الخضراء من مجرد تفصيل تجميلي إلى استراتيجية صحية أساسية تضمن للعائلات ملاذات آمنة ومستدامة. ومن المتوقع بنهاية هذا العام 2026 أن يلمس سكان العاصمة نتائج هذه الرؤية الشاملة مع وصول نصيب الفرد من الرقعة الخضراء إلى 4.25 متر مربع، مقارنة بـ 3.4 متر مربع فقط قبل نحو أربعة أعوام، وذلك بالتزامن مع قفز المساحة الخضراء الإجمالية لتصل إلى نحو 19 ألفاً و800 دونم بعد أن كانت تقف عند حدود 13 ألف دونم.
هذا التحول البيئي المستقبلي ترسم ملامحه جهود ميدانية مكثفة لمديرية الزراعة والحراج في الأمانة، والتي وضعت خطة استراتيجية ممتدة حتى نهاية عام 2026 تهدف إلى إعادة توزيع الخارطة الخضراء جغرافياً؛ حيث سيرتفع عدد حدائق الأحياء قريباً إلى 145 حديقة مع وضع اللمسات الأخيرة على حديقة إسكان “الدكاترة” في منطقة شفا بدران شمالي العاصمة، كما ستتسع منظومة المتنزهات الكبرى لتصل إلى 15 متنزهاً مجهزاً بملاعب أطفال مطورة مثل متنزه “أُحد” في منطقة أُحد، لتضاف جميعها إلى “حديقة النشامى” الكبرى التي افتتحها رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان مؤخراً كركيزة أساسية في هذه المنظومة. ولضمان استمرارية هذه المشاريع، ستعتمد الأمانة بالكامل على مشاتلها الخاصة التي حققت مرحلة متقدمة من الاكتفاء الذاتي بنسبة تناهز 80%، مما سيتيح لها رفد الأرصفة والجزر الوسطية والميادين بإنتاج مستمر من الأشتال والغراس الحرجية الكفيلة بامتصاص عوادم المركبات وتقليل التلوث الحشري والبيئي في المستقبل القريب.
وفي هذا السياق، يرى المهندس حسين الصرايرة، الباحث الأول ومدير السياسات في معهد السياسة والمجتمع، أن المدن الناجحة مستقبلاً هي تلك التي لن تكتفي بإتقان بناء الإسمنت، بل ستعرف كيف تترك للإنسان مساحة حيوية يتنفس فيها، مؤكداً أن التخطيط الحضري الحديث بات يتعامل مع الحدائق كاستثمار طويل الأمد في الصحة العامة والتماسك المجتمعي، ومشيراً إلى أن قدرة مدينة كعمَّان على تحقيق هذا التوازن بين التنمية الطبيعية والعمرانية رغم تحدياتها التضاريسية ستقدم نموذجاً ملهماً للإدارة الحضرية الرشيدة التي تضع حق الإنسان في بيئة صحية فوق أي اعتبار.
هذه الرؤية المستقبلية ستنعكس بشكل مباشر على جودة حياة المواطنين؛ إذ يشير هاني المومني —وهو زائر دائم لحديقة “الراية الهاشمية” منذ أكثر من 15 عاماً— إلى أن التوسع المستمر في المساحات الخضراء وتحديثها سيشكل المنقذ الحقيقي للعائلات التي تقطن شققاً سكنية مغلقة، حيث ستوفر لهم هذه الحدائق في قادم الأيام بيئة تجمع بين الهدوء والسكينة والخصوصية، وتمنح الأطفال مساحات حرة ومستدامة للعب في الهواء الطلق وسط أوكسجين نقي، مشيداً بحرص الأمانة على إجراء الصيانة المستمرة التي تضمن بقاء هذه المرافق بأبهى حلة.
ولن يتوقف الطموح عند حدود الإنشاء، بل ستنتقل الأمانة إلى مرحلة ترسيخ “الديمومة والحماية الأمنية” كهدف استراتيجي ثابت عبر خمسة مراكز زراعية رئيسية موزعة في جنوب وشمال وغرب ووسط وشرق عمَّان لتقديم الحراسة والصيانة على مدار الساعة، وهي جهود شاملة تأتي استجابة للتوجيهات الملكية السامية بتطوير نوعية الحياة وبناء قدرة حقيقية للمدينة على التكيف مع التغيرات المناخية الشديدة، لضمان أن تصبح عمَّان في المستقبل القريب.. مدينة تتنفس طبيعياً بكل تفاصيلها.

