وكالة تليسكوب الإخبارية | لما شطاره
في مشهدٍ تقشعر له الأبدان، ويتبرأ منه الوجدان الإنساني، استيقظت الأوساط العربية على فاجعة تخطت حدود العقل والمنطق؛ جريمة بطلتها ابنة غاب عنها البرّ، وعميت بصيرتها، لتنهال بالضرب المبرح على والدها المسنّ العاجز، لا لشيء، بل لأنه طلب مساعدتها لدخول دورة المياه، لتستمر في تعنيفه حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، ولم تقف البشاعة هنا، بل سحبت جثمانه إلى الفراش ودثرت وجهه بغطاء، محاولةً رسم سيناريو “وفاة طبيعية” لولا يقظة الأجهزة الأمنية والتحريات التي كشفت المستور، ليتبين وجود شبهة جنائية قادت إلى ضبطها ومواجهتها بمصيرها الأسود، وهو ما يضعنا في وكالة “تلسكوب” الإخبارية أمام تساؤل مؤلم ومُلّح: كيف يمكن لإنسان أن يغتال من كان سبباً في وجوده وهو على حافة قبره؟ وكيف تبيع ابنة مستقبِِلها وتلقي بنفسها في غياهب السجون من أجل لحظة غضب أو ضيق؟ ومن الناحية النفسية، يرى الخبراء أن هذه الجرائم الأسرية لا تولد في لحظة، بل تكون نتيجة تراكمات مميتة تُعرف بـ”احتراق مقدمي الرعاية” (Caregiver Burnout)؛ فالابنة هنا قد تكون وصلت إلى مرحلة من الضغط النفسي الشديد والعزلة نتيجة العناية الطويلة بوالد عاجز، ومع غياب الدعم النفسي والمادي، يتحول الإحباط إلى عدوانية مفرطة، لتفقد السيطرة تماماً على أعصابها أمام طلب بسيط، فتفرغ شحنات غضبها المكبوت في جسد ضعيف لا يملك قوة للدفاع عن نفسه، لتصحو بعد فوات الأوان على واقع مرير دمر مستقبلها بالكامل، هذا التدهور يعكس أيضاً انهياراً حاداً في المنظومة القيمية والدينية، فبينما يضع الدين الوالدين في مرتبة تلي العبادة مباشرة، ويوصي بالخفض لهما جناح الذل من الرحمة وخاصة عند “الكِبر”، رأتها الابنة عبئاً ثقيلاً تخلصت منه بأبشع الطرق، متناسية أن العدالة الإلهية لا تغفل، وأن عقوق الوالدين ذنبٌ يُعجل الله عقوبته في الدنيا قبل الآخرة. أما قانونياً، فقد وضعت الجانية نفسها في مأزق مظلم، فالقوانين العربية تتشدد وتغلظ العقوبات في جرائم القتل التي تقع داخل المحيط الأسري، وتحديداً من الأبناء تجاه الآباء، ومحاولة إخفاء المعالم وتغطية الجثة تبرهن على وعي الجانية بجرمها، مما يثبت شبهة القتل العمد أو الضرب المفضي إلى الموت مع سبق الإصرار، وهي تهم كفيلة بأن تنهي حياتها خلف القضبان بمؤبد أو إعدام، لتخسر دنياها وآخرتها في آنٍ واحد. إننا في “تلسكوب” ندق ناقوس الخطر؛ فهذه الجريمة ليست مجرد حادثة عابرة، بل هي مرآة تدعونا لالتفاتة حقيقية نحو الأسر التي تعاني صمت الضضغوط النفسية والاقتصادية، فهل نتعظ من هذه الفاجعة ونعيد إحياء قيم التراحم قبل أن تستيقظ مجتمعاتنا على كابوس جديد، ونثبت للجميع أن عجز الآباء أمانة وليس عبئاً، وأن مستقبل الأبناء يُبنى بالصبر والرحمة لا بالدم والعنف؟

