وكالة تليسكوب | بقلم : لما شطاره
يُقال في الأثر: “المرء مخبوء تحت لسانه، فإذا تحدث ظهر”. هذه الحكمة الأزلية لم تأتِ من فراغ، بل تلخص دستوراً كاملاً في إدارة الوعي، وضبط الكلمة، وحفظ الهيبة، خاصة عندما تصدر عن قامات أمضت عقوداً من عمرها في دهاليز المسؤولية، وجلست على مقاعد المناصب الرسمية التي تجعل من صاحبها ملكاً للمجال العام، وليس مجرد عابر سبيل يلقي بحديثه في مجالس خاصة. لكن المفارقة الصادمة اليوم، هي أننا أصبحنا نرى شخصيات وازنة، وفي خريف العمر، تقع في فخ “السقطات اللفظية” وتنبش في تفاصيل وسوالف لا طائل منها، لتدخل نفسها وعائلاتها في أتون حرب مجتمعية مجانية، وتتحول من رموز يُستشار بوعيها، إلى مادة دسمة للملاسنات الساخرة والهجوم اللاذع ، إن خطورة الكلمة تزداد طردياً مع تقدم العمر وارتفاع المنصب. فالشارع الذي يمنح المسؤول السابق هيبته واحترامه، يتوقع منه في المقابل كلاماً رزيناً، وبصيرة تُنير الأزمات، لا حكايات هامشية أو مغالطات تاريخية تثير الاشمئزاز أو تجلب النظرة الدونية. عندما يغيب هذا التوازن، يقع ما يمكن تسميته بـ “الانتحار الرمزي”؛ حيث تمحو جملة واحدة غير مدروسة تاريخاً طويلاً من الإنجازات، وتجلب لأسرة المتحدث وأهله سيلاً من الملامة والعتب في بيئة مجتمعية لا ترحم، وتعتبر أن احترام البلد الذي احتضنك، ومنحك مكانتك، يبدأ أولاً من صون لسانك عن الإساءة لتفاصيل حياته أو تاريخه ، وعلى المقلب الآخر من المشهد، تكشف هذه الحوادث عن الوجه الشرس لمنصات التواصل الاجتماعي، التي تحولت إلى محاكم تفتيش رقمية وسياط مسلطة على الظهور. فبمجرد صدور الزلة، يختفي “الحياء” من فضاء التعليقات، وينبري الجميع—بلا استثناء—لقيادة هجوم كاسح لا يقف عند حدود النقد الموضوعي، بل يتعداه إلى التجريح الشخصي، وتصفية الحسابات، وفبركة الإشاعات، ونبش الماضي. لقد ألغت “السوشيال ميديا” كلف الحشمة في التعبير، وأصبح القاصي والداني يرى نفسه قاضياً يملك الحق في إسقاط كرامة الآخرين، مما يحول أي هفوة—مهما كانت عفوية—إلى كرة ثلج تحرق كل ما يقف في طريقها ، بين هذا وذاك، تبرز الحاجة الملحة لإعادة الاعتبار لثقافة “الصمت الحكيم” والرزانة اللفظية. على كل من مرّ بمناصب الدولة، وشغل حيزاً من ذاكرتها، أن يدرك أن كلامه ليس ملكاً شخصياً، وأن وقار السن يفرض عليه ترفعاً عن السجالات الهامشية. إن حفظ الهيبة يبدأ بكلمة، وضياعها يبدأ بكلمة؛ وفي زمن أصبحت فيه الشاشات تترصد الهفوات، والتعليقات لا ترحم كبيراً ولا صغيراً، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الإنسان بوزن اسمه، ومقدار عمره، ومكانة بلده، قبل أن ينطق بما قد يُدخله ويُدخل أهله في نفق مظلم من الرفض والاستهجان .

