وكالة تليسكوب الإخبارية
في حي الشميساني الهادئ بالعاصمة عمان، وتحديداً في شارع علال الفاسي، تحولت الشوارع إلى ساحة لمأساة صامتة بعد نفوق أكثر من 25 قطة منذ صيف العام الماضي في ظروف غامضة، حيث تعثر الساكنة متكرراً على جثث لقطط أليفة ومشرّدة بأفواه ملطخة بسوائل داكنة تنمّ عن تعرضها لسموم خبيثة أُدست لها في أطباق الطعام. هذه الفاجعة البيئية التي أثارت ذعر الأهالي ودفعهم للمطالبة بفتح تحقيق عاجل للوصول إلى الجناة، تفجر قضية رأي عام أعمق تتجاوز حدود الجريمة المباشرة؛ لتسلط الضوء على ظاهرة العنف المجتمعي تجاه الكائنات الضعيفة وكيف تتشكل القسوة داخل جدران الأسر. فالأبحاث النفسية تؤكد أن النظرة العدائية للحيوانات ليست سلوكاً طارئاً، بل هي نتاج “تربية بالخوف” تغرسها أمهات وآباء يفتقرون للوعي البيئي والأنساني؛ حيث ينشأ الأطفال في بيئات تُصور الكائنات الحية كتهديد أو قذارة يجب محاربتها أو إبادتها، فيعتاد الطفل مشاهدة ذويه يمارسون العنف بالضرب أو الترهيب، ليتشرب الفكرة وينقلها معه مستقبلاً كأنها سلوك طبيعي. وأمام هذا التجرد من الإنسانية وصور التعامل القاسي — من تسميم أحياء كاملة إلى إلقاء الكلاب في الصحاري لتموت عطشاً وجوعاً — يبرز تساؤل حاد عن غياب المؤسسات التوجيهية؛ إذ تخلو معظم خطب الجمعة والمنابر الدينية من التوعية بحرمة الروح والرفق بالحيوان رغم صراحة النصوص الشريفة التي جعلت الرحمة بالحيوان سبباً لدخول الجنة، كما تفتقر المناهج المدرسية إلى دروس عملية تزرع قيم العطف والتعايش البيئي في نفوس الناشئة. إن مأساة قطط الشميساني ليست مجرد حادثة تسميم فردية، بل هي جرس إنذار يعكس جفافاً عاطفياً وخللاً في الوازع الأخلاقي، ويستدعي تحركاً شاملاً يعيد للضمير الإنساني حضوره بدءاً من الأسرة والمدرسة وصولاً إلى المنبر والقانون.

