وكالة تليسكوب الإخبارية
“تشير البيانات الحديثة الصادرة عن نقابة أطباء الأسنان الأردنية إلى وجود حالة تشبّع واضحة في سوق العمل، حيث بلغت نسبة أطباء الأسنان إلى السكان 1:1000، وهي أعلى من المعدلات العالمية, كما تُظهر المؤشرات ارتفاع معدلات البطالة بين الأطباء لتصل إلى ما يقارب 50%، إضافة إلى تسارع غير متوازن في أعداد الخريجين، مما ينذر بتفاقم الاختلالات في سوق العمل خلال السنوات القادمة.”
“تتطلب معالجة التشبّع في سوق طب الأسنان في الأردن حزمة متكاملة من السياسات تبدأ بضبط القبول الجامعي، مرورًا بتنظيم الممارسة المهنية، وانتهاءً بتطوير الطلب على الخدمات محليًا وخارجيًا، وتحذّر النقابة من أن غياب التدخل المنهجي سيؤدي إلى تفاقم البطالة المهنية وتدهور الاستدامة الاقتصادية للمهنة.”
إن عدد أطباء الأسنان المسجّلين في نقابة اطباء الاسنان الأردنية حتى إعداد هذا التقرير هو 13354، منهم 379 طبيب أسنان توفّاهم الله، و531 طبيب أسنان متقاعد عن العمل، و1500 طبيب أسنان يعمل خارج المملكة الأردنية الهاشمية، أي ان عدد أطباء الأسنان العاملين في المملكة عددهم 10944 طبيب أسنان، أي حوالى 11 ألف طبيب أسنان في بلد عدد سكانها حوالى 11 مليون، أي طبيب أسنان واحد لكل 1000 مواطن، وهذا تجاوز كبير للحاجة الفعلية.
علماً أن عدد أطباء الأسنان العاملين في القطاع الحكومي والجامعات الحكومية والخاصة حسب قاعدة البيانات في النقابة حوالى 1607 طبيب أسنان، أما أطباء الأسنان في القطاع الخاص فالعدد الأكبر منهم يعمل في العاصمة عمان وعددهم 3465 طبيب أسنان، ثم في إربد 854 طبيب أسنان، في الزرقاء 443، في البلقاء 258، في المفرق 221، في الكرك 151، في مادبا 125، في العقبة 118، في جرش 90، في عجلون 63، في معان 54، في الطفيلة 52، وهذه الأرقام تشير إلى اختلال واضح في التوزيع الجغرافي.
تكمن المشكلة الحقيقية في النمو غير الطبيعي والزيادة الكبيرة والسريعة بشكل حاد في أعداد أطباء الأسنان حيث يوجد حاليا 1430 طبيب أسنان في سنة التدريب الامتياز متوقع إنهاء فترة تدريبهم ودخولهم سوق العمل خلال أقل من شهر من تاريخه، علاوة على أن عدد أطباء الأسنان الذين سجّلوا في النقابة من تاريخ شهر يونيو لعام 2025 حتى تاريخه أي خلال أخر سنة هو 1150 طبيب أسنان،
حيث ان عدد أطباء الأسنان الذين سجّلوا في النقابة منذ عام 1952 وحتى عام 2002 بلغ عددهم 4435 طبيب أسنان على مدار خمسين عاماً، في حين ان عدد أطباء الأسنان الذين سجّلوا في النقابة خلال السنوات منذ عام 2003 وحتى عام 2016 أي خلال أربعة عشر عاما هو 4146، أما عدد أطباء الأسنان الذين سجّلوا في النقابة خلال أخر عشر سنوات منذ عام 2017 وحتى الثلث الأول من عام 2026 هو 4858 أضف عليهم 1430 طبيب أسنان أوشكوا على إنهاء فترة الامتياز والتسجيل في النقابة هذا العام ليصل العدد بحده الادنى إلى 6288 طبيب أسنان خلال السنوات العشر الأخيرة.
علماً ان عدد أطباء الأسنان المسجلين غير عاملين أو بدون عمل حسب قاعدة بيانات النقابة يصل إلى 4834 طبيب أسنان من أصل 10944 أي ما يصل إلى نصف العدد (44%-50%)، ناهيك على أن عدد طلاب طب الأسنان المتوقّع تخرجهم خلال العامين القادمين فقط 2026 و 2027 سيصل إلى ألفي طبيب أسنان، أي أن الزيادة في أعداد خريجي كلّيات طب الأسنان في الأردن تسير باتجاه أكثر من 1000 طبيب أسنان سنوياً اعتباراً من عام 2025، وهذه الأرقام تعكس بوضوح مشكلة هيكليّة حقيقيّة واقعيّة لا مشكلة نظريّة عابرة مؤقّتة.
وجب على نقابة أطباء الأسنان الأردنية أن تدق ناقوس الخطر حيث أن هذه الأعداد تشير بوضوح إلى حالة من التشبّع النسبي في سوق العمل مع ما يترتب على ذلك من تحديات في التوظيف والاستدامة المهنية والأمان الوظيفي خاصة في ظل ضيق ومحدودية فرص الاختصاص والتي تتميز عن باقي الاختصاصات المهنية والطبية والصحية الأخرى بعلوّ التكلفة على الطالب، كما ان النقابة تشير بوضوح إلى راسمي السياسات وصانعي القرار وكذلك إلى أولياء أمور الطلبة والراغبين بدراسة طب الأسنان إلى أن نسبة أطباء الأسنان إلى السكّان في الأردن هي 1:1000 وهذه نسبة تتجاوز المعدلات العالمية الموصى بها من قبل منظمة الصحة العالمية، حيث أنّ المعدّل المقبول عالمياً وحسب المؤشّرات العالمية طبيب أسنان واحد لكل 1500 – 2000 شخص، أي أنه وبالمقارنة المباشرة لدينا في الأردن زيادة تقارب 50% إلى 100% عن الحاجة التقديرية.
المشكلة الحقيقيّة لا تقتصر على عدد أطباء الأسنان فقط، بل على التوزيع الجغرافي والتمركز في المدن، بالإضافة إلى ضعف القدرة الشرائية للمرضى علما ان تجهيز عيادة طب الأسنان والنكلفة التشغيلية لها مرتقعا عموما في كل أنحاء العالم، أضف إلى ذلك عدم تناسب الزيادة والنمو في أعداد أطباء الأسنان مع الطلب الفعلى على الخدمات وقد يعود ذلك أيضا بسبب ضعف الوعي الصحي السني والثقافة الصحية السنية.
هذه الأرقام ليست مجرّد أرقام تشير بوضوح إلى حالة الإشباع في سوق العمل الأردني فقط وليست مجرّد مؤشّرات عن الوضع القائم في المهنة، بل إنها أرقام لها دلالات وانعكاسات على المهنة عموماً وآثارا واضحة على سوق العمل، حيث أن انخفاض الدخل والمنافسة العالية أحياناً قد يؤدّيان إلى خفض الأسعار بشكل غير صحي بسبب الضغوطات الاقتصادية على مقدّم الخدمة مما سينعكس سلباً على جودة الخدمة عند متلقّي الخدمة، ناهيك على أنّ نسبة البطالة المرتفعة ستؤدي بالضرورة لزيادة هجرة أطباء الأسنان خارج الأردن بالرغم من محدودية فرص العمل أيضا في سوق العمل في دول الجوار بسبب الاكتفاء الذاتي في بعض الدول وحالات التشبّع في دول أخرى.
بناء على ما تقدّم فإنّ نقيب أطباء الأسنان الأردنيين توصي باتّخاذ حزمة من السياسات والإجراءات المتكاملة لمعالجة الاختلال بين العرض والطلب، وضمان استدامة المهنة وتحسين كفاءة توزيع الموارد البشرية الصحية، بحيث يتم تحقيق التوازن المستدام بين العرض والطلب، وتقليل البطالة في صفوف أطباء الأسنان، وتحسين توزيع الخدمات الصحية جغرافيًا مع رفع جودة وكفاءة خدمات طب الأسنان مما ستعزّز مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني.
وتؤكّد النقيب على أن هذه السياسات والإجراءات لابد أن تكون ضمن إطار تشريعي وتنفيذي يتم وضعه من خلال خطة عمل مشتركة ومتكاملة بين وزارة الصحة ووزارة التعليم العالي والنقابة، مثمّنة حرص الوزارتين على المصلحة الوطنية والمهنية، ومقدّرة الجهود التي بذلت من اجل رفع معدل القبول لدراسة الطب وطب الأسنان وتحديد أعداد المقبولين في الجامعات الوطنية، مؤكدة على ان المصلحة الوطنية تقضي بضرورة بذل مزيدا من الجهود وتكاتف هذه المساعي لتوحيدها في مسار واحد يصب في مصلحة المهنة ومستقبلها وأطباء الأسنان وأمانهم الوظيفي والاجتماعي والاقتصادي وأبناء الوطن ومستقبلهم المهني.
وعليه فإن نقيب أطباء الأسنان الأردنيين ترفع مجموعة من التوصيات للعمل عليها من خلال التعاون والتشاركية مع وزارتي الصحة والتعليم العالي والبحث العلمي ومختلف الجهات المعنيّة:
- ضرورة إطلاق حملة توعية وطنية للطلبة وأولياء الأمور والتي تدشّنها النقيب بهذا التقرير، ليكون اختيار الدراسة الجامعية مبنياً على أرقام واقعية وأوضاع حقيقية لا على انطباعات اجتماعية.
- ضرورة أن تقوم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بمراجعة قائمة الجامعات وكليات طب الأسنان المعترف بها خارج المملكة الأردنية وحصرها حسب التصنيفات العالمية، بالإضافة إلى تجميد التوسع في كليات طب الأسنان داخل المملكة والعمل خلال الخمس سنوات القادمة على خفض القبول الجامعي تدريجيًا، حتى تشير مؤشرات الأداء إلى انخفاض نسبة البطالة وتحسّن نسبة الطبيب للتعداد السّكاني نحو المعدّل العالمي.
- ضرورة توسيع مظلّة التأمين الصحي لتشمل خدمات طب الأسنان.
- تطوير تموذج وطني لتخطيط القوى العاملة الصحية وربط مخرجات التعليم باحتياجات السوق الفعلية.
- تقديم الحوافز المادية لأطباء الأسنان للعمل في المحافظات وفي المناطق التي تقل فيها كثاقة عيادات طب الأسنان بناء على تقارير دراسة مسح جغرافي دقيقة يتم إجراؤها ضمن النموذج الوطني لتخطيط القوى العاملة الصحية، مثل إعفاءات ضريبية لأول سنتين عمل، وتسهيل الحصول على قروض حسنة أو ميسّرة.
- ضرورة أن تقوم وزارة الصحة بدراسة مشروع إلزامية تعيين أطباء الأسنان خلال اول سنتين لهم من تاريخ حصولهم على تصريح مزاولة المهنة في مختلف محافظات ومناطق المملكة، مما سيساعدهم لا ماديا فقط بل مهنيا ويؤهلهم لفتح عياداتهم الخاصة لاحقا كما وسيوفّر خدمات صحية سنية في مختلف مخافظات ومناطق المملكة، علما أنه وبحسب قانون النقابة (المادة 13 / المادة 14) فإن الوزارة لها هذه الصلاحية، وهي من المعالجات المهمّة والمعمول بها في مختلف دول العالم.
- تعزيز السياحة العلاجية حيث أن الأردن يتميّز بميزة تنافسية من حيث الكلفة والجودة في مجال طب الأسنان، فالأردن من الدول المعروفة بانخفاض أسعارها من حيث المعالجات والإجراءات الطبية والصحية مقارنة بجودة الخدمات المقدمة بالإضافة إلى سمعة أطباء الأسنان الأردنيين الطيّبة علمياً وعملياً وطنياً ودولياً.
إن استمرار الوضع الحالي دون تدخل سيؤدي إلى تفاقم الاختلالات في سوق العمل، وانخفاض جودة الخدمات، وزيادة الهجرة المهنية، وعليه فإن تبني سياسات متكاملة قائمة على الأدلة يعد ضرورة ملحّة لضمان استدامة قطاع طب الأسنان في الأردن وتحقيق التوازن بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.
نقيب أطباء الأسنان الأردنيين
الأستاذة الدكتورة آية الأسمر

