وكالة تليسكوب الاخبارية – بقلم رشا الشوابكة
لم تكن قضية استملاك 3,499 دونمًا من أخصب أراضي الأغوار مجرد ملف عقاري، بل كانت امتحانًا وطنيًا حقيقيًا لمدى قدرة مجلس النواب على الدفاع عن الدستور وحقوق المواطنين. فالأغوار ليست أرضًا عادية؛ إنها سلة غذاء الأردن، وخط دفاعه الأول عن أمنه الغذائي، وثروة وطنية لا يجوز التفريط بها أو المساس بها دون مبررات دستورية واضحة وضمانات عادلة.
في بداية مناقشات قانون الملكية العقارية، شعر الأردنيون بأن هناك بارقة أمل. فقد ارتفعت أصوات نيابية حذرت من خطورة توسيع صلاحيات الاستملاك، وأكدت أن الملكية الخاصة حق دستوري لا يجوز المساس به إلا للمنفعة العامة وبالتعويض العادل. لكن عندما حانت لحظة التصويت، تبدل المشهد، وسقطت التوقعات أمام واقعٍ أثار خيبة أمل واسعة.
إدراج السكة الحديد ضمن تعريف الطريق لم يكن مجرد تعديل لغوي، بل قرارًا يحمل آثارًا كبيرة على أصحاب الأراضي، وفتح بابًا لمخاوف حقيقية بشأن استملاك آلاف الدونمات، خاصة في الأغوار الجنوبية، حيث ترتبط الأرض برزق المزارعين ومستقبل أسرهم، وبجزء مهم من الأمن الغذائي الأردني.
السؤال الذي يطرحه الشارع اليوم ليس قانونيًا فقط، بل سياسي أيضًا: هل أدى مجلس النواب دوره في حماية حقوق المواطنين، أم اكتفى بالنقاشات التي لم تنعكس على نتيجة التصويت؟
فالنواب لا يُحاسبون على قوة خطاباتهم، بل على مواقفهم عندما تُرفع الأيدي للتصويت. والتاريخ لا يسجل عدد الكلمات التي قيلت تحت القبة، بل يسجل من دافع عن الأرض ومن وقف إلى جانب الناس عندما كانت حقوقهم على المحك.
الأرض ليست رقمًا في سجل عقاري، وليست بندًا في مشروع قانون، بل هي تاريخ وهوية وكرامة ومصدر رزق. وأي تشريع يمسها يجب أن يُبنى على أعلى درجات الشفافية، وأن يطمئن المواطنين إلى أن حقوقهم الدستورية مصانة، لا أن يزيد من مخاوفهم.
إن حماية الأغوار ليست قضية تخص أبناء الأغوار وحدهم، بل قضية كل أردني يؤمن بأن الأرض هي أساس السيادة والاستقرار. فحين تُمس أخصب الأراضي الزراعية، فإن القضية تتجاوز حدود الملكية الفردية لتصبح قضية أمن غذائي ومصلحة وطنية عليا.
ويبقى السؤال الذي لن يغيب عن ذاكرة الأردنيين: هل نجح مجلس النواب في امتحان الدفاع عن الأرض والملكية الخاصة، أم أن هذا القانون سيبقى علامة فارقة زادت الفجوة بين تطلعات المواطنين وما انتهت إليه القرارات؟
فالأرض لا تعوض، والثقة لا تُستعاد بالشعارات، والأوطان تُبنى بالمواقف الشجاعة. وسيذكر التاريخ من وقف مدافعًا عن حق الأردنيين في أرضهم، كما سيذكر من مرّ على هذا الامتحان دون أن يترك الموقف الذي انتظره الناس.
رشا الشوابكة.

