وكالة تليسكوب | لما شطاره
في زوايا الأسواق الأردنية وبين أروقة المكاتب والشركات الناشئة، يبدأ كثير من الرياديين وأصحاب المحال التجارية رحلتهم بآمال عريضة ورغبة في بناء مستقبل مالي مستقر. لكن سرعان ما يصطدم البعض بصخرة الغرامات والمبالغ المتراكمة لدى دائرة ضريبة الدخل والمبيعات، لا بسبب التهرب أو سوء النية، بل جراء “الأمية الضريبية” والتراخي في التواصل المستمر مع الجهات المعنية، وتجاهل تنظيم الدفاتر المالية أولاً بأول.
تكشف هذه الظاهرة عن فجوة توعوية واسعة لدى شريحة لاستهانة بها من المواطنين والأفراد الذين يجهلون أن التعامل مع الملف الضريبي هو عملية ديناميكية يومية، وليست مجرد إجراء شكلي يتم تذكره عند الأزمات.
تتكرر السيناريوهات اليومية لأصحاب محال ومكاتب خدمات ومشاريع صغيرة يعتمدون على التقديرات العشوائية في إدارة أعمالهم؛ إذ يدير صاحب العمل نشاطه دون توثيق دقيق للمصاريف التشغيلية، كالايجارات، رواتب الموظفين، فواتير الطاقة، والنثريات اليومية. إن عدم التصريح الشفاف والدقيق عن هذه المصاريف يجعل الإيرادات الإجمالية تظهر للجهات الضريبية وكأنها أرباح صافية خاضعة للاقتطاع. وفي الواقع، قد تكون المبالغ المتبقية في نهاية المطاف مجرد إيرادات ذهبت بالكامل لتغطية كلف التشغيل، مما يعني قانوناً عدم وجود أرباح خاضعة للضريبة أصلاً لو تم تقديم الإقرارات والمستندات بالشكل الصحيح.
يبدأ المطب الضريبي عندما يظن صاحب العمل أن عدم مراجعة الدائرة أو التقاعس عن تقديم الإقرارات في موعدها أمر عابر، متغافلاً عن أن النظام الضريبي يعمل وفق آليات وتواريخ محددة يترتب على تجاوزها غرامات تأخير وفوائد قانونية تتضاعف مع مرور السنوات. وفجأة، يجد المكلف نفسه أمام مبالغ مالية باهظة تُفرض عليه تقديرياً، ناهيك عن الإجراءات الإدارية القاسية مثل منع التصرف أو التعثر المالي، فقط لأنه لم يكن على تواصل مستمر مع مستشاره الضريبي أو الدائرة لتوضيح طبيعة عمله ونسبة مصاريفه الحقيقية.
ولا تتوقف تداعيات هذا الإهمال عند حياة صاحب العمل، بل تتدحرج ككرة الثلج لتطال أسرته وورثته من بعده. فالالتزامات الضريبية والذمم المالية المستحقة للدولة لا تسقط بالوفاة، بل تظل معلقة بالتركة. وهنا تقع الكارثة الإنسانية والمالية: يواجه الورثة معاملات معقدة وحجزاً على المستحقات أو عقارات التركة، دون أن يمتلكوا أوراقاً وثائقية تشرح آلية عمل مورثهم، أو تبين حجم مصاريفه الفعلية وكيفية إدارته لنشاطه. وتؤدي هذه الحلقة المفرغة من غياب التوثيق إلى تجميد المعاملات وتوقف توزيع التركة لسنوات، حيث لا يستطيع الورثة تحصيل حقهم أو إثبات براءة ذمّة مورّثهم المالية نتيجة ضياع المستندات أو عدم وجودها أساساً.
إن خروج القطاع التجاري والخدمي من هذه الإشكالية يتطلب تغييراً جذرياً في الثقافة المالية والتعامل مع الملف الضريبي؛ بدءاً من ضرورة مراجعة دائرة ضريبة الدخل والمبيعات بشكل دوري وتحديث البيانات والموقف الضريبي لحل أي سوء فهم في بدايته، وإثبات كافة المصاريف التشغيلية بالفواتير المعتمدة والمستندات الرسمية، إذ يعترف القانون بالمصاريف المؤيدة بالمستندات والتي تخفض الشرائح الضريبية بشكل قانوني. كما يجب الاستعانة بمحاسب قانوني أو مستشار ضريبي لضبط السجلات المالية وتجنب الوقوع في الأخطاء التقديرية، فضلاً عن تنظيم الملفات المالية والاحتفاظ بنسخ كاملة من الإقرارات والمستندات في مكان آمن لحماية حقوق الورثة وضمان عدم تعطل معاملاتهم مستقبلاً.
إن الوعي الضريبي ليس عبئاً إضافياً على كاهل صاحب المشروع، بل هو الدرع الحامي لجهده واستثماراته وحقوق عائلته من بعده. وحين يدرك المواطن الأردني أن النظام الضريبي يستند إلى الأرقام والإثباتات لا التخمين، سيتجنب مفاجآت تراكم الديون وفوائد التأخير، وستبقى أعماله تسير في نطاق الأمان المالي والقانوني.
شطاره تكتب : غفلة ضريبية تكلف الملايين: كيف تحول الأخطاء المحاسبية والتراخي أحلام أصحاب المشاريع إلى ديون تراكمية تُلاحق حتى الورثة؟

