أين الرحمة؟.. آلاف الأرواح المعذبة في صحراء الصفاوي تنتظر مجرد “شربة ماء”
وكالة تليسكوب | لما شطاره
في قلب الصحراء القاحلة، وتحت هجير الشمس الحارقة في منطقة الصفاوي، تتجسد مأساة إنسانية وبيئية صامتة. آلاف الأرواح التي لا تتكلم ولا تملك من أمرها شيئًا، تم جمعها ونقلها وإلقاؤها هناك—بلا أكل، ولا ماء، ولا مأوى، ولا ظلٍّ يقيهم القظّ. إنها أعداد متزايدة تُقدر بالألفين إلى سبعة آلاف كائن حي، أُبعدت عن الأحياء السكنية بذريعة السلامة، لتُترك لمصير مجهول ومؤلم دون أطواق تعقيم للحد من تكاثرها، ودون أدنى مقومات للحياة. ولم تقف المأساة عند حدود الجوع والعطش والمرض الذي يفتك بالأمهات والصغار، بل تعدتها إلى عرقلة جهود الرحمة؛ فالمتطوعون والإنسانيون الذين يقطعون المسافات الطويلة بمبادرات فردية لسقيا هذه الكائنات وإطعامها، ووضع أحواض ماء لتخفيف وطأة العطش القاتل، يواجهون اليوم مطالبات بإزالة تلك الأحواض وتضييق الخناق على جهودهم الإغاثية!
إن ما يحدث يتنافى كليًا مع قيمنا الإسلامية والأخلاقية، فقد علمنا ديننا الحنيف أن الرحمة لا تجزأ، وأن كل لمسة حنان أو خدمة تقدم لكائن ضعيف هي باب عريض للمغفرة والنجاة من النار؛ فالذي يضع لقمة طعام لحيوان جائع، أو يصب قطرة ماء لحيوان عطشان، أو يوفر له ظلاً يستظل به من لهيب الشمس، يكتب الله له بها أجرًا عظيمًا ويباعد بينه وبين النار. فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ مَاءً ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا؟ فَقَالَ: «فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَقْصَى وأَعْظَمُ الأَجْرِ» (صحيح البخاري ومسلم)، بل إن النبي ﷺ جعل الإحسان في الغرس والزرع وإظلال الكائنات إحسانًا مأجورًا، حيث قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلاَّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» (صحيح البخاري)، فالظل الذي يقي كلبًا أو قطة أو طيرًا حر الشمس هو صدقة جارية ترتفع لصاحبها وتكون حجابًا له من العذاب، وقد قال ﷺ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقَّ تَمْرَةٍ»، فكيف بمن يطعم روحًا جائعة أو يروي كبدًا حرّى في رمضاء الصحراء؟
وفي المقابل، فإن حرمان هذه المخلوقات الضعيفة وتجويعها وتعريضها للهلاك يستوجب الغضب والوعيد، يقول الله تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم} [الأنعام: 38]، وقد توعد الإسلام من يحبس كائنًا حيًا أو يمنع عنه أسباب البقاء، كما في الحديث الصحيح: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخلَتْ فِيهَا النَّارَ، لاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلاَ سَقَتْهَا إِذْ هِيَ حَبَسَتْهَا، وَلاَ هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ» (صحيح البخاري).
ولعل أبلغ دليل على حجم الرحمة والرفق في الإسلام هو ما جرى في غزوة فتح مكة؛ فقد روى الإمام الطبراني وغيره أن الرسول الكريم ﷺ وهو يسير بجنوده البالغ عددهم عشرة آلاف مقاتل، رأى في الطريق كلبة ترضع أجرائها، فما كان من نبي الرحمة إلا أن أمر أحد أصحابه (جُعَيْل بن سراقة رضي الله عنه) بأن يقف بجانبها ويحرسها، وأمر الجيش بأكمله بالابتعاد عنها وعدم إزعاجها أو التضييق عليها. فإذا كان قائد الأمة ونبي الرحمة قد عدّل مسار جيش فاتح مراعاةً لأمومة كلبة وحمايةً لصغارها وإظلالاً لها عن الأذى، فكيف نرضى اليوم بأن تُرمى الأمّهات المرضعات وصغارها في قلب الصحراء بلا ماء ولا ظل، ويُمنع عنها من يحاول إغاثتها؟
إن نقل الحيوانات بعيدًا عن المناطق السكنية لا يعفينا من المسؤولية الإنسانية والأخلاقية تجاهها، فالأمر يتطلب خطة عاجلة تبدأ بالسماح الفوري للمتطوعين بتقديم الماء والأغذية وترك أحواض السقيا ووسائل الإظلال قائمة دون مضايقات، وتطبيق برامج التعقيم والتطعيم العلمية (TNR) للحد من تزايد الأعداد بدلاً من سياسة التجويع والإبعاد، إضافة إلى إنشاء ملاجئ ومحميات مؤهلة توفر الحد الأدنى من الظل والماء والرعاية البيطرية للأمهات والمرضى منها. إن الرحمة لا تتبعض، والأمم تُرحم برحمتها لضعفائها، ونسأل الله أن يرقق القلوب وتتضافر الجهود الرسمية والشعبية لإنقاذ هذه الأرواح قبل فوات الأوان.


