وكالة تليسكوب الإخبارية
من المهم أن نبدأ من التوضيح الذي قدمته وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية: امتحان التوجيهي لم يصبح ثلاث سنوات، وإنما المرحلة الثانوية أصبحت تشمل الصفوف العاشر والحادي عشر والثاني عشر. وهذا توضيح مهم، ومن الإنصاف أن يُثبت في النقاش كما هو.
لكن بعد حسم هذه النقطة، تبقى هناك أسئلة أكثر جوهرية حول النظام نفسه: كيف صُمم؟ وعلى أي أساس اختيرت نسبه؟ وهل يعالج فعلاً مشكلة التعليم أم يعيد ترتيب الامتحان فقط؟
أول هذه الأسئلة يتعلق بنسبة 30% المخصصة للجزء الأول من الامتحان العام. الوزارة شرحت للناس أن هذا الجزء يشكل 30% من المعدل النهائي، لكن السؤال ليس كيف تُحسب هذه النسبة، بل: لماذا 30% تحديداً؟
لماذا ليست 20% أو 25% أو 40%؟ وهل جرى اختبار بدائل مختلفة باستخدام بيانات طلبة أردنيين؟ وهل أظهرت النتائج أن 30% هي الأفضل من حيث القدرة على التنبؤ بالنجاح الجامعي والعدالة بين المدارس والمحافظات والفئات الاجتماعية؟
وجود نسبة 30% في بعض أنظمة التقييم أو القبول في دول أخرى لا يعني أن هناك قاعدة علمية عالمية تقول إن 30% هي النسبة المثلى. الأوزان تختلف بين الأنظمة بحسب هدف الاختبار وطبيعة المواد وآلية القبول. وفيما اطلعت عليه من دراسات، لم أجد قاعدة بحثية محكمة تقول إن 30% بالذات هي النسبة المثالية لنظام مماثل للنظام لدينا.
لذلك، إذا كانت هناك دراسة محلية إحصائية قادت إلى اعتماد هذه النسبة، فمن المهم نشرها. فثلاثون بالمئة ليست رقم بسيط في جدول، قد تغيّر ترتيب طالب، وقد تحدد دخوله تخصص تنافسي أو حرمانه منه.
وهنا نصل إلى سؤال في غاية الأهمية: ما الذي نريد من الامتحان أن يقيسه أصلاً؟
إذا أصبح الامتحان مرتبطًا بصورة أساسية بالقبول الجامعي، فمن الطبيعي أن نتوقع أن يقيس أكثر من حفظ المنهاج. يجب أن يعطي مؤشر جوهري عن استعداد الطالب للجامعة: القراءة التحليلية، والاستدلال، والرياضيات التطبيقية، وحل المشكلات المجتمعية، والقدرة على استخدام المعرفة في مواقف جديدة.
وهذا يقودنا مباشرة إلى نتائج PISA 2025. الأردن حقق تحسناً مقارنة بعام 2022، وهذه نقطة إيجابية يجب الاعتراف بها. لكن الأداء ما يزال دون متوسط دول OECD في المجالات الأساسية. وهذا يعني أن التحدي الفعلي لا يبدأ عند التوجيهي، بل قبل ذلك بسنوات.
فإذا كان الطالب يصل إلى سن الخامسة عشرة وهو يعاني من ضعف في القراءة أو الرياضيات أو العلوم أو التفكير التطبيقي، فلن يكون تغيير نسب الامتحان وحده كافياً.
وهنا يجب أن نسأل بكل وضوح:
هل نحن نعيد توزيع العلامات فقط، أم نعيد بناء ما يتعلمه الطالب فعلاً؟
الإصلاح التعليمي يجب أن يبدأ من داخل الصف، لا من ورقة الامتحان فقط. الطالب يحتاج إلى لغة إنجليزية قوية، ورياضيات، وعلوم، وتفكير نقدي، ومهارات رقمية، وذكاء اصطناعي، وحل مشكلات، وإرشاد مهني مستقبلي.
وهنا يرتبط موضوع التوجيهي بقضية أكبر ناقشها أخيراً ملتقى النخبة الأردني الإلكتروني تحت عنوان لافت: “نُخرّجهم.. ثم نسأل: أين يذهبون؟!”
وهذه العبارة تختصر مشكلة عمرها سنوات.
لا يجوز أن يبدأ نظامنا التعليمي بالمقعد الجامعي ثم نسأل بعد التخرج: أين سيعمل الطالب؟ بل يجب أن يبدأ السؤال بالعكس: ما الوظائف والمهارات التي سيحتاجها الاقتصاد بعد خمس أو عشر سنوات؟ ثم نبني المدرسة، والمسارات، والتخصصات الجامعية، والتدريب حول هذه الاحتياجات.
إذا كنا نعرف أن بعض التخصصات مشبعة، فلماذا نستمر في إنتاج الأعداد نفسها؟ وإذا كان الاقتصاد يحتاج إلى مهارات تقنية ورقمية ومهنية جديدة، فلماذا لا يبدأ إعداد الطالب لها من المرحلة الثانوية؟
نجاح المؤسسات التعليمية يجب ألا يُقاس فقط بعدد الطلبة أو البرامج أو الخريجين، بل أيضًا بقدرة الخريج على العمل، والإنتاج، والابتكار، والتكيف مع سوق عمل محلي وإقليمي وعالمي يتغير بسرعة.
ولهذا فإن إصلاح التوجيهي يجب ألا يصبح مشروع منفصل عن إصلاح التعليم العالي وسوق العمل. المدرسة والامتحان والجامعة وسوق العمل سلسلة واحدة، وأي خلل في إحدى حلقاتها ينتقل إلى البقية.
ثم تأتي قضية أخرى لا تقل أهمية، ويجب حسمها الآن قبل أن تتحول إلى مشكلة بعد سنوات: الطالب الذي يحصل على شهادة التخرج من المدرسة، لكنه لا يتقدم للامتحان العام، ثم تقبله جامعة خارج الأردن.
قبول الطالب في الخارج تحدده الجامعة والدولة التي سيدرس فيها وفق أنظمتها. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا يبدأ عند عودته بعد أربع أو خمس سنوات:
هل ستُعادل شهادة البكالوريوس التي حصل عليها؟
لا يجوز أن تبقى هذه المسألة غامضة حتى يتخرج أول فوج. فالأسرة تحتاج إلى جواب رسمي مكتوب قبل أن تنفق عشرات آلاف الدنانير على الرسوم والسفر والسكن والمعيشة.
وهنا يمكن لوزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، بالتنسيق مع وزارة التعليم العالي، أن تضع حل واضح من الآن:
إذا قبلت جامعة أجنبية الطالب بصورة نظامية بشهادة التخرج المدرسية، وكانت الجامعة والبرنامج معترف بهما لدى الجهات الأردنية المختصة، وأتم الطالب دراسته وفق شروط الانتظام والإقامة وسائر متطلبات المعادلة، فيُترك قرار القبول للجامعة نفسها، ويتم تقييم البكالوريوس بناء على المؤسسة والبرنامج ومسار الدراسة، لا على مجرد كونه تقدم أو لم يتقدم للامتحان العام الأردني.
هذا لا يعني تخفيف شروط المعادلة أو الاعتراف بأي جامعة، بل يمكن الإبقاء على معايير الاعتراف بالجامعة والبرنامج والمدة وطبيعة الدراسة بكل صرامة.
لكن من غير المنطقي أن تقبل جامعة معترف بها الطالب وفق نظامها، وتدرسه وتخرجه، ثم يكتشف بعد سنوات أن مؤهله أصبح موضع إشكال بسبب امتحان محلي لم يكن أصلاً شرطاً لقبوله في تلك الجامعة.
كما أن لهذا الموضوع بعد اقتصادي لا يمكن تجاهله. إذا دفعت أي ثغرة في النظام أعداداً أكبر من الطلبة إلى الدراسة خارج الأردن، فإننا لا نتحدث فقط عن التعليم، بل عن خروج رسوم ونفقات معيشة وعملات أجنبية. وفي المقابل، يجب أن يكون هدفنا جعل الجامعات الأردنية أكثر جودة وجذباً للطالب الأردني والأجنبي معاً.
بعد توضيح الوزارة أن المرحلة الثانوية ثلاث سنوات وليس التوجيهي، فإن المجتمع يحتاج الآن إلى إجابات بالوضوح نفسه:
لماذا 30%؟ ما الدراسة التي قادت إلى هذه النسبة؟ هل اختُبرت بدائل أخرى؟ هل يقيس الامتحان الاستعداد للجامعة؟ كيف سنرفع مهارات طلبتنا التي تكشفها الاختبارات الدولية؟ كيف سنربط المرحلة الثانوية باحتياجات سوق العمل؟ وما مصير الطالب الذي يدرس في الخارج بشهادة المدرسة فقط؟
هذه الأسئلة لا تعارض الإصلاح.
بل هي ما يجعل الإصلاح أكثر علمية، وأكثر عدالة، وأكثر قدرة على حماية مستقبل الطالب الأردني.
فالمطلوب ليس فقط نظام توجيهي جديد، بل منظومة تعليم تبدأ من سؤال واضح: ماذا نريد من الطالب أن يعرف، وماذا نريده أن يستطيع أن يفعل، وأين ستكون فرصته بعد أن يتخرج؟

