هيئة تنظيم النقل.. ماذا رأيتم في العالم؟

dawoud
6 Min Read

وكالة تليسكوب الإخبارية – كتب أ.د. محمد الفرجات
إلى هيئة تنظيم قطاع النقل البري، مع كل الاحترام والتقدير:

- Advertisement -

أنتم تعملون في قطاع النقل منذ عشرات السنوات، وخلال هذه السنوات شارك المسؤولون والمهندسون والموظفون في ورش عمل ومؤتمرات وزيارات ووفود إلى دول مختلفة من العالم.

وهنا أطرح سؤالاً من باب العتاب والحرص:

ماذا رأيتم في العالم؟ وماذا نقلتم منه إلى الأردن؟

أنا لا أتحدث هنا عن القطارات؛ فالأردن، للأسف، لا يملك حتى الآن شبكة قطارات وطنية حديثة يمكن أن نبني عليها منظومة نقل متكاملة.

أتحدث عن شيء أبسط بكثير:

الحافلة.

الحافلة التي تستخدمها ألمانيا، وسنغافورة، واليابان، وأستراليا، وبريطانيا، وكندا، ودول ومدن كثيرة حول العالم، ضمن منظومات مختلفة، لكنها تلتقي جميعاً في مبدأ أساسي:

المسافر يجب أن يعرف أين يركب، ومتى يركب، ومن أين يركب، وأين ينزل.

وهذا هو جوهر النقل العام.

المحطة في العالم ليست موقفاً للحافلات

في المدن المتقدمة، محطة الحافلات ليست مجرد مساحة إسفلتية تقف فيها مجموعة من الحافلات.

إنها منظومة تشغيل.

في محطة الحافلات المركزية في برلين، على سبيل المثال، يستطيع المسافر أن يرى على الشاشة: وقت الرحلة، الوجهة، الشركة، رقم الخط، ورقم البوابة، كما تعرض المعلومات التأخيرات والمحطات على الطريق.

وفي سنغافورة، لا تُوزع أرصفة الحافلات بصورة عشوائية؛ بل تؤخذ في الاعتبار حركة الركاب، وتردد الخدمة، وتوزيع الحافلات، وتجنب التكدس، مع توفير اللوحات والإرشادات ومكاتب خدمة الركاب.

وهذه مجرد أمثلة.

في اليابان، وفي مدن أستراليا وكندا وبريطانيا وغيرها، تطورت فكرة محطة الحافلات إلى منظومة يكون فيها الخط والوقت والمكان والمعلومة جزءاً من الخدمة نفسها.

إذن القضية ليست ألمانية.

القضية عالمية.

أين نحن من ذلك؟

لماذا لا يستطيع طالب من العقبة يريد الذهاب إلى إربد أن يفتح هاتفه فيعرف بوضوح:

أين محطة الانطلاق؟

ما رقم الرحلة؟

متى تصل الحافلة؟

من أي رصيف تنطلق؟

ما المدن أو المحطات التي تمر بها؟

متى تصل إلى وجهته؟

وأين ينزل؟

وإذا كان عليه تغيير الحافلة، فأين يغيرها وكم ينتظر؟

ولماذا يضطر المريض الذي يريد الوصول إلى مستشفى في مدينة أخرى إلى السؤال من شخص إلى آخر؟

ولماذا يجد السائح القادم إلى الأردن نفسه مضطراً إلى البحث والسؤال عن مكان الحافلة وشركتها وموعدها ومحطتها؟

لماذا لا تكون هذه المعلومات واضحة ومضمونة ومعلنة؟

الحافلة يجب أن تصل إلى المحطة.. لا إلى مزاج السائق

نحن بحاجة إلى قاعدة بسيطة:

الحافلة تتوقف في المحطة المعتمدة، وليس حيث يشاء السائق أو الراكب.

والتحميل والتنزيل يكونان في الأماكن المخصصة.

أما الوقوف الطويل والانتظار، فله أماكن أخرى.

والرصيف له رقم.

والخط له رقم.

والرحلة لها موعد.

والوجهة لها اسم واضح.

والتأخير، إن حدث، يجب أن يظهر للمسافر.

هذه ليست تكنولوجيا خارقة.

هذه إدارة تشغيلية أساسية.

لا نريد تقليد العالم.. نريد أن نتعلم منه

ليس المطلوب أن نبني في الأردن نسخة من برلين.

ولا نسخة من سنغافورة.

ولا نسخة من طوكيو.

لكل دولة ظروفها وحجمها وشبكتها وطبيعة مدنها.

لكننا نريد أن نأخذ أفضل الممارسات المشتركة من تجارب العالم، ونصنع منها نموذجاً أردنياً.

نريد محطة حافلات تقول للمواطن بوضوح:

هذه وجهتك.
هذا خطك.
هذا رصيفك.
هذه حافلتك.
هذا موعدها.
وهذا وقت وصولها المتوقع.

والأهم: الالتزام بالمحطات

يجب أن تنتهي ظاهرة توقف الحافلات في كل مكان لتحميل وتنزيل الركاب على الطرق وبين التقاطعات وبالقرب من الأسواق أو الإشارات، عندما تكون هناك محطة معتمدة.

لأن المحطة ليست مجرد مكان للوقوف.

هي جزء من السلامة المرورية وانسيابية الحركة وانتظام الرحلة.

الحافلة التي تتوقف فجأة خارج المحطة تربك الطريق، وتعرض الركاب للخطر، وتؤثر في زمن الرحلة، وتفسد فكرة الجدول أصلاً.

أما عندما يكون التوقف في محطة معروفة ومحددة، فإن الراكب يعرف أين ينتظر، والسائق يعرف أين يتوقف، وبقية مستخدمي الطريق يعرفون أين يتوقعون حركة الحافلات.

هيئة التنظيم.. نريد منكم نقلة تنظيمية

بعد عشرات السنوات من العمل، أعتقد أن الأردن يستحق أن ينتقل من مرحلة تنظيم شركات الحافلات إلى مرحلة تنظيم منظومة النقل نفسها.

والفرق كبير.

نريد:

محطات موحدة المعايير.

أرصفة مرقمة.

خطوطاً واضحة.

جداول منشورة.

مواعيد وصول ومغادرة.

معلومات لحظية عن التأخير.

تحميل وتنزيل في المحطات فقط.

أماكن انتظار منفصلة للحافلات التي لا تزال في فترة التوقف.

منظومة رقمية وطنية موحدة للرحلات.

وخريطة يستطيع المواطن والسائح استخدامها من هاتفه.

والأهم من ذلك كله:

رقابة حقيقية على الالتزام بالمسار والمحطات والمواعيد.

ماذا فعلتم بكل ما رأيتموه في العالم؟

وهنا أعود إلى عتبي الأول:

أنتم لم تعملوا في فراغ.

أنتم سافرتم، وشاركتم في المؤتمرات، وحضرتم ورش العمل، والتقيتم بخبراء النقل، واطلعتم على تجارب الدول والمدن التي سبقتنا.

فلماذا لا نرى أثر ذلك كله في شوارعنا ومحطاتنا؟

لماذا لا نأخذ من العالم ما يناسب الأردن؟

لماذا يبقى المواطن هو الذي يبحث ويسأل ويتخبط؟

النقل العام ليس فقط أن توفر له حافلة.

النقل العام هو أن توفر له حافلة معروفة، في مكان معروف، في وقت معروف، وعلى مسار معروف، وتتوقف في محطات معروفة.

وهذا هو الحد الأدنى الذي يجب أن نصل إليه.

الأردن لا يحتاج إلى معجزة

نحن لا نطلب قطارات سريعة.

ولا شبكة مترو.

ولا مشاريع بمليارات الدنانير.

نحن نطلب أولاً أن نجعل الحافلة تعمل كحافلة حديثة.

أن ننتقل من:

«وين الباص؟»

إلى:

«الرصيف رقم 4، الرحلة الساعة 10:30، والحافلة ستصل خلال 7 دقائق».

عندها فقط سيبدأ المواطن يشعر أن لديه نظام نقل عام، وليس مجرد حافلات تتحرك بين المدن.

والسؤال الذي أضعه أمام هيئة تنظيم قطاع النقل اليوم ليس صعباً:

بعد كل هذه السنوات، وكل هذه الوفود وورش العمل والمؤتمرات التي شاركتم فيها حول العالم.. متى سنرى خلاصة ما تعلمتموه في محطة الحافلات الأردنية؟

فالعالم لم يخترع شيئاً مستحيلاً.

لقد فعل شيئاً بسيطاً:

نظّم الحافلة.

Share This Article