مصر ، والرهان على الثبات الفلسطيني،  في وجه الحرب الديموغرافية…!

dawoud
4 Min Read

وكالة تليسكوب الاخبارية – بقلم د. عبد الرحيم جاموس

لم تكن الحرب على غزة خلال العامين الماضيين مجرد مواجهة عسكرية بين جيش احتلال وقوى  مقاومة ،  وشعب محاصر في قطاع غزة خاصة و فلسطين عامة ، بل كانت في جوهرها حربًا على  الديموغرافية  الفلسطينية بامتياز، استهدفت اقتلاع الفلسطيني من أرضه وتفريغ القطاع من سكانه، تمهيدًا لفرض وقائع جديدة على الأرض تُضعف أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة.

- Advertisement -

ومن هنا تبرز أهمية الموقف المصري الذي واجه ضغوطًا غير مسبوقة لفتح معبر رفح دون ضوابط، من أطراف دولية وإقليمية، بل ومن قوى سياسية وشعبية عربية، بعضها بدافع العاطفة وبعضها الآخر تحت شعارات إنسانية ظاهرها الرحمة وباطنها التهجير المقنّع.

لقد أدركت مصر، برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي، أن فتح المعبر بشكل مفتوح ودائم في ظل القصف والتدمير كان سيعني عمليًا تنفيذ الهدف الأخطر للحرب الإسرائيلية: تحويل الفلسطينيين إلى لاجئين جدد، وإخراجهم من جغرافيا الصراع إلى خارجها، تمامًا كما جرى عام 1948 و1967.

لذلك جاء الموقف المصري حاسمًا: رفض التهجير الجماعي بكل أشكاله، وإبقاء الحدود محكومة بسيادة الدولة المصرية، مع السماح بمرور الحالات الإنسانية والجرحى والمساعدات في إطار منظم ومدروس، يوازن بين البعد الإنساني والبعد القومي والأمني.

ورغم حملات التشويه التي حاولت تصوير مصر كطرفٍ متقاعس، إلا أن الحقيقة أن القاهرة حمت غزة من أخطر مصير يمكن أن تواجهه، وهو الخروج من التاريخ والجغرافيا معًا.

فالثبات على الأرض هو جوهر المقاومة الحقيقية، وأي نزوح جماعي كان سيُفرغ القضية من مضمونها السياسي والقانوني والوطني.

لقد فهمت مصر أن الحفاظ على الشعب الفلسطيني في أرضه هو إفشال لمخطط الحرب الأساسي، وأن السماح بتهجيره هو انتصار استراتيجي لإسرائيل مهما كان الثمن الإنساني الظاهر.

وبالتوازي، لعبت القاهرة دورًا محوريًا في وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي من القطاع وفق الخطة التي تم التوصل إليها بوساطة مصرية وبدعم من الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ودول الخليج.

فقد تحركت الدبلوماسية المصرية بفعالية لبلورة تفاهمات تضمن عودة الهدوء وتهيئة الأرضية السياسية والإنسانية لإعادة إعمار غزة، بما يحفظ وحدة الشعب الفلسطيني على أرضه، ويمنع تكرار عمليات النزوح أو التهجير.

إن المعركة اليوم لم تعد فقط في ميدان السلاح، بل في ميدان الديموغرافيا والبقاء والثبات على الأرض . فالاحتلال يدرك أن ميزان القوة العسكرية لا يضمن له الأمن، لكنه يراهن على تفكيك الكتلة البشرية الفلسطينية وإعادة توزيعها خارج حدود فلسطين التاريخية.

 في المقابل، تدرك مصر ومعها الدول العربية أن إفشال هذا المخطط يبدأ من تثبيت الإنسان الفلسطيني في أرضه، ومنحه مقومات البقاء والصمود عبر الإعمار والتنمية.

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى الدور المصري–العربي في مرحلة إعادة إعمار غزة، وهو دور تتصدره القاهرة بخبرتها المؤسسية وموقعها الجغرافي وصلتها التاريخية بفلسطين وبقطاع غزة خاصة ، وبدعم مالي وسياسي من المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي.

 فإعادة الإعمار ليست مشروعًا هندسيًا فحسب، بل مشروعًا وطنيًا لإنعاش الحياة، وإعادة بناء المدارس والمستشفيات والمنازل والبنية التحتية، وإطلاق دورة اقتصادية تعيد الأمل وتكرّس الثبات.

 إنها إعادة إعمار للإنسان قبل الحجر، وللإرادة قبل الجدران.

لقد أثبتت مصر مرة أخرى أنها ليست مجرد وسيط في الصراع، بل ركيزة الاستقرار وضمانة البقاء الفلسطيني ،  فموقفها من معبر رفح لم يكن رفضًا للتعاطف، بل حكمة سياسية واستراتيجية بعيدة المدى، أنقذت القضية من مصير التصفية الديموغرافية.

ومع كل ما عاناه القطاع من حصار وجوع ودمار، يبقى أن القرار المصري الصلب ساهم في منع الكارثة الكبرى، حين اختار أن يحمي فلسطين من التهجير لا أن يفتح لها طريق النزوح.

إن صلابة الموقف المصري لم تُوجَّه ضد الفلسطينيين، بل كانت في جوهرها درعًا لحمايتهم من مصيدة الحرب الديموغرافية وانفاذ مخطط التهجير القسري ، وركيزة لمستقبل تُبنى فيه غزة من جديد، على أرضها، بأيدي أبنائها، وبدعم أشقائها.

وهكذا، أثبتت القاهرة أن فلسطين لا تُحمى بالبيانات، بل بقرار يمنع سقوطها في فراغ الأرض والتاريخ.

 د. عبد الرحيم جاموس

الرياض / الأربعاء

22/10/2025 م

Share This Article