تعددت القمصان والعري واحد!

dawoud
4 Min Read

في الستر الذي لا يستر، والقماش الذي لا يحمي

وكالة تليسكوب الاخبارية – بقلم عماد داود

- Advertisement -

في البدء كانت الحقيقة عارية.

وكان الارتباك الأول هو محاولة مواراتها.

{بَدَتْ لَهُمَا سَوآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخصِفَانِ عَلَيهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ}

لم يكن الخصف زينة.

لم يكن ثوباً.

كان أول فعل ثقافي في تاريخ الإنسان.

قبل أن يزرع وقبل أن يبني وقبل أن يُسمّي —

خصف.

الحضارة كلها ليست إلا تراكم هذا الخصف.

طبقة فوق طبقة.

قميصاً فوق قميص.

مؤسسة فوق مؤسسة.

ما نسميه تقدماً هو في جوهره:

تحسين تقنية إخفاء نفس الجسد.

وهنا المفارقة التي لا يُحبّ أحد أن يقف عندها:

لولا الخصف لما قامت حضارة.

الإنسان الذي لم يُنكر جسده لم يبنِ مدينة.

الخجل هو الذي علّمه الزراعة.

والستر هو الذي دفعه إلى اختراع الملكية.

والعار الجماعي هو الذي صنع الدين والقانون والدولة.

لم نبنِ الحضارة رغم العري —

بنيناها هرباً منه.

الثقافة الإنسانية في جوهرها ليست إنجازاً.

هي أضخم مشروع تأجيل في تاريخ الكون.

كل إنسان ممثل أمام جمهور لا ينام.

ليس الجمهور هو الآخرين.

هو الصوت الداخلي الذي يراقب حتى حين لا يراك أحد.

الذي يُحاسبك على تعابير وجهك في الغرفة الخالية.

الذي يُعيد تشغيل المشهد المحرج قبل النوم بعشرين سنة.

هذا الجمهور لا يرتاح لأنه ليس خارجك.

هو أنت — لكنه الأنت الذي يعرف.

يرتدي الإنسان قميصه الصباحي ليقول: أنا هنا، وأنا بخير.

لا يحتاج أحد أن يصدّقه.

يكفي ألّا يُكذّبه أحد علناً.

هذا ما تفعله الطبقية:

لا تمنع العري.

تمنع الاعتراف به.

لا يولد الإنسان في طبقة.

يولد عارياً، ثم يُدرَّب على إنكار جسده.

الطبقية ليست درجات سُلَّم.

هي تفاوت في القدرة على إخفاء نفس الجسد.

لا تُقسِّم الناس.

بل تُقسِّم قدرتهم على الكذب على أنفسهم.

الطبقة العليا لا تملك أكثر.

بل ترى أقل.

تدفع أكثر لتتجنب رؤية ما يراه من هو تحتها.

ثروتها الحقيقية ليست المال.

بل القدرة على التجاهل المنظَّم.

والوسطى ليست طبقة.

بل عَطَب دائم.

منطقة عازلة تستهلك لإبقاء التناقض قابلاً للحياة.

تشتري قميصاً لتحمي نفسها من السقوط.

فتكتشف أنها اشترت شكله فقط.

والفقر ليس نقصاً.

هو اللحظة التي يفشل فيها الكذب.

حين يصبح الجسد أكثر حضوراً من كل ما فوقه.

الدَّين الاستهلاكي لا يشتري بضاعة.

يشتري هوية اجتماعية بالأقساط.

السيارة الجديدة بالتقسيط ليست وسيلة نقل.

هي إعلان يفهمه الجميع: ما زلت واقفاً.

والقرض ليس حلاً.

بل عقد يوقّعه الفقير

ليشكر من أفقره على منحه وهم الستر.

كل مدينة كبرى جهاز فرز بصري.

أحياؤها لا تعكس الدخل.

بل تعكس مقدار ما يُسمح لك برؤيته.

الجسور والأنفاق ليست طرقاً.

بل أدوات فصل دقيقة.

تضمن أن يمر الجميع فوق بعضهم دون أن يلتقوا.

المجتمع لا يعاقب الفقير.

يعاقب من يظهر بمظهر الفقير.

السياسة لا تُدير موارد.

تُدير زاوية النظر.

لا تُغيِّر واقعاً.

بل تتحكم في مقدار ما يُرى منه.

اللغة نفسها جزء من القماش:

“تحسين” تعني تأجيل.

“استقرار” تعني: لم يصل الجميع بعد إلى لحظة خلع القميص.

كل إصلاح هو إعادة تفصيل القماش.

مع الإبقاء على الجسد خارج النقاش.

لأن الاعتراف بالجسد

يعني الاعتراف بأن كل شيء كان كذباً منظَّماً.

الحكومات لا تخاف الفقر.

ولا الغضب.

ولا حتى الانهيار.

تخاف فقط

أن يرى الناس بعضهم دون قمصان!

لأن تلك اللحظة لا تُدار.

ما نسميه ثورة ليس تغيير سلطة.

هو اللحظة التي يرفض فيها الجسد الجماعي أن يُمثَّل.

حين يصبح العري حقيقة مشتركة لا عاراً فردياً.

تلك اللحظة لا تأتي بالإقناع.

تأتي حين ينهار القماش فجأة.

ويكتشف الجميع أن الحضارة كلها كانت خصفاً.

لم نكن نبني.

كنا نُؤجِّل.

وحين يُطرح السؤال:

لا تجيب الحضارات.

تُفصِّل قميصاً جديداً!

emadawoud@yahoo.com

Share This Article