وكالة تليسكوب الإخبارية | بقلم لما شطاره
تحت الأضواء البراقة ، وفي ردهات المؤسسات التي تفوح منها رائحة الفخامة، حيث الأثاث الفاخر والبدلات الأنيقة التي توحي بالرفاهية، تسكن حقيقة أخرى شديدة القتامة. فخلف تلك المظاهر الخادعة، هناك موظفون وعمال يواجهون استنزافاً بشرياً لا يرحم، حيث لا تعكس فخامة المكان عدالة التعامل، وكثيراً ما تُدفع الرواتب بالحد الأدنى الذي لا يكاد يسد الرمق، مقابل جهدٍ يهدّ الجبال. وهذه المعاناة لا تقتصر على المكاتب المكيفة فحسب، بل تمتد لتطال العاملين في المحلات والمصانع والورش، أولئك الذين يقضون أنصاف أيامهم واقفين على أقدامهم، في نوبات عمل تمتد لتصل إلى ست عشرة ساعة متواصلة، في تحايلٍ صريح على منطق “الشفتات” والإنسانية، ليجد العامل نفسه يقوم بجهد شخصين أو ثلاثة، فقط ليوفر صاحب العمل أجرة موظف إضافي ، إنها سياسة “الحرث” التي لا تفرق بين مهندس خلف مكتبه أو بائع خلف منضدته؛ فالجميع يقع تحت ضغط التهديد بلقمة العيش، ويُجبرون على ابتلاع الإهانة والقبول بالمهام الإضافية التي تُرمى فوق كواهلهم دون تقدير أو تعويض. يصبح الموظف في هذا النظام مجرد وقود لماكينة لا تشبع، يُطالب بالولاء المطلق والعمل لساعات تتجاوز حدود الطاقة البشرية، في ظل بيئات تفتقر لأدنى معايير الاحترام، حيث يُمارس فيها “مسح الأرض” بكرامة الإنسان أمام كل خطأ صغير، أو حتى بدون سبب، لمجرد فرض السلطة. ومع كل صرخة مكتومة وخلف كل نظرة انكسار، يبقى السؤال المعلق: كيف تحولت “لقمة العيش” من حق إنساني إلى وسيلة استعباد؟ إن إجبار الإنسان على استبدال حياته وصحته وكرامته بساعات عمل قاتلة مقابل أجر زهيد هو جريمة صامتة ترتكبها المؤسسات التي نسيت أن نجاحها الحقيقي يبدأ من احترام آدمية من يبنون هذا النجاح، وأن العامل الذي تُسلب منه حياته خلف قضبان “الدوام الطويل” لن يمنحها إلا بقايا روحٍ منهكة.

