شطارة تكتب : بين فرحة الإستقلال و”أكوام النفايات”: هل أخطأت وزارة البيئة عندما خاطبتنا بلغة الشارع؟

Lama Shatara
4 Min Read

​وكالة تليسكوب الإخبارية | بقلم : لما شطاره

​في غمرة إحتفالاتنا الوطنية بمناسبة عيد الإستقلال ، وبينما كانت الأعلام ترفرف عالياً والقلوب تنبض بحب هذا الثرى الطهور، استيقظنا على مشهد لا يليق بأردن الحضارة والنقاء؛ شوارع غصّت بالمخلفات، وأرصفة تحولت بعد ساعات الفرح إلى مرتع للنفايات. أمام هذا الواقع المؤلم، لم تقف وزارة البيئة موقف المتفرج، بل خرجت عبر صفحتها الرسمية بمنشور يحمل عتباً حاراً من قلب محروق على صورة الوطن، تذكرنا فيه بالعبارة البسيطة: “حكينا عيب… الشارع مش سلة زبالة”، وتساءلت بإستنكار عقلاني : “زعلتوا؟! هيك الشارع بعد الإحتفال؟!”. لكن، وسرعان ما انقسمت الآراء ، وخرجت أصوات “تتحسس” من النبرة الحازمة، وتنتقد استخدام اللهجة العامية والعبارات المباشرة مثل “استحوا” وتوصيف المشهد بـ “الوساخة”، مطالبين بـ “خطاب رسمي” جاف ومراسلات بروتوكولية تقليدية لمخاطبة الجمهور ، وإذا نظرنا إلى هذا الجدل بعين التحليل اللغوي والموضوعي نجد أن اللجوء إلى الكلمة العامية المباشرة في تلك اللحظة بالذات لم يكن سقطة ، بل كان حاجة ملحة لـ “صدمة إيجابية” توقظ الضمائر. إن الخطابات الرسمية المليئة بالصيغ الأكاديمية الجافة والمفردات المنمقة غالباً ما تظل حبيسة الأدراج ولا تصل إلى قلب السلوك المجتمعي؛ أما لغة الشارع البسيطة والمفهومة التي استخدمتها الوزارة، فقد جاءت لتكسر الحاجز وتخاطب كل فئات المجتمع بلا مواربة، لأن الكارثة البصرية في الشارع كانت واضحة ولا تحتمل لغة الدبلوماسية. فعندما تكرر الوزارة عبارة “استحوا”، فهي تستحضر موروثنا الأخلاقي الأعمق؛ فالـ “حياء” في أدبياتنا هو خط الدفاع الأول عن السلوك القويم، وليس إساءة لفظية، بل هو نداء مباشر للضمير الحي. أما عن وصف “الوساخة”، فهو توصيف واقعي دقيق للحالة البصرية المزرية التي تركتها النفايات، وليس حكماً على معدن الناس؛ فالمنشور كان واضحاً وحاسماً حين قال: “والوساخة مش من شيمنا”، وهي جملة تنفي القبح عن الأصل، وتؤكد أن ما حدث هو سلوك عابر غريب لا يمثل الهوية الأردنية الأنيقة ، إن المسألة بأكملها “بدها ذوق” وتقتضي وضع الإصبع على الجرح دون خجل من الكلمة المباشرة؛ فالاستقلال الحقيقي ليس مجرد استعراض أو إطلاق للهتافات، بل هو سلوك يومي وانتماء حقيقي للأرض والشجر والحجر. المسؤولية الوطنية لا تدار بالمجاملة أو بالطبطبة على السلوكيات الخاطئة بلغة دبلوماسية باردة طمعاً في شعبوية زائلة، بل تقتضي غيرة واضحة عندما نرى اعوجاجاً يخدش وجه الوطن. فهل يرضى أي من المعترضين على الألفاظ أو على اللهجة العامية أن يُقال عن الأردن غير أنه أيقونة في الجمال؟ وهل يرضون بمشهد الشوارع الممتلئة بالأنقاض بعد ساعات الفرح؟ بالطبع لا؛ إذن لماذا الغضب من صرخة غيورة استخدمت لغة الناس البسيطة لتذكرهم بالثابت الأصيل: “هاي بلدنا… والوساخة مش من شيمنا” ؟ ، وبدلاً من الإنشغال بمحاكمة النوايا والوقوف عند لوم الوزارة على حزمها اللغوي أو عتبها المباشر، كان الأولى بالمعترضين أن يلتفتوا إلى حجم الكارثة البيئية والبصرية التي خلفتها تلك الفئة القليلة في الشوارع، وأن نخجل جميعاً من مشهد عامل وطن يقضي ليلته يجمع مخلفات فرحنا. إن كلمات وزارة البيئة لم تكن إساءة أبداً، بل كانت مرآة شجاعة واجهتنا بالواقع دون تجميل، وهي دعوة صريحة بلغة مفهومة للجميع ليرتقي سلوكنا اليومي إلى مستوى حبنا الكبير للأردن؛ فالوطن الذي نحبه ونفديه يستحق منا أن نحافظ على نظافة ثوبه، لا أن نغضب ممن يغار عليه ويدافع عن هيبته ونقائه بصدق وعفوية.

- Advertisement -
Share This Article