وكالة تليسكوب الإخبارية | بقلم لما شطاره
بينما تقضم شطيرتك المفضلة، أو تفتح مرطباناً للمخلل ابتعته من إحدى صفحات المشاريع المنزلية على وسائل التواصل الاجتماعي، هل تساءلت يوماً عن الرحلة التي خاضتها هذه اللقمة قبل أن تصل إلى مائدتك؟ وبالتأكيد، فإن التعميم هنا ظلمٌ لقطاع واسع؛ فساحتنا مليئة بمطاعم ومشاريع منزلية ترفع لها القبعة احتراماً، وتضع مخافة الله وصحة الناس نصب أعينها كأولوية لا مساومة عليها، وتقدم نموذجاً يُحتذى به في النظافة والإتقان. لكن حديثنا اليوم يتوجه خصيصاً نحو تلك القلة التي غيبت الضمير والمسؤولية الأخلاقية، مسببةً أزمة ثقة حقيقية؛ حيث تكشف الكواليس أننا في مواجهة مع مستهترين لا يراعون ديناً ولا ذمة، يفرغون اللقمة من قيمتها الإنسانية ويحيلونها إلى مصدر خطر بيولوجي نتيجة التهاون بمعايير السلامة العامة. إن ما يحدث خلف الأبواب المغلقة لبعض المنيو السريع، أو في مساحات الطهو المنزلي غير الملتزمة، يتجاوز فكرة “التقصير العابر”؛ إنه يمس جوهر الأمانة المهنية لدى فئة اختزلت المسؤولية في المظاهر الخارجية فقط، متناسية أن جوهر الرسالة الإنسانية والدينية يكمن في صون حقوق الآخرين، فكيف يجرؤ منتج طعام على التغافل عن أبسط قواعد النظافة الشخصية، كتعقيم الأيدي وتطهير الأسطح، ثم يقدم وجبته للناس دون وازع من ضمير؟ إن إطعام البشر في ميزان الأخلاق أمانة يُسأل عنها المرء؛ ورسولنا الكريم ﷺ يقول: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه”، فأين هذا الإتقان عندما تُقدّم وجبات ملوثة ببكتيريا “السالمونيلا” الناتجة عن إهمال شخصي، أو أدوات تقطيع ملوثة، تحت وطأة الاستخفاف بصحة المستهلك؟ إن الكسب الذي يمتزج بمرض الناس وآلامهم يفقد بركته وقيمته الأخلاقية، فعندما يتكاسل عامل عن الالتزام بالتعقيم، أو يقرر صاحب منشأة استخدام مواد تالفة لتوفير بضعة قروش، فهو يرى المستهلك مجرد أرقام ربحية، متجاهلاً حقه في غذاء آمن ونظيف. وإذا كانت المطاعم التجارية تخضع لرقابة الجهات الصحية، فإن السؤال الأبرز يتوجه نحو بعض المطابخ المنزلية العشوائية التي تحولت إلى خطوط إنتاج وتوزيع للمخللات والمأكولات الجاهزة مستغلة شعار “صنع بحب في المنزل”، حيث يمنح المجتمع ثقة عمياء للمنتجات المنزلية افتراضاً بأنها عنوان البركة، غير أن الواقع العملي لدى الشريحة المهملة يشير إلى ثغرات بيولوجية مقلقة نتيجة غياب الرقابة التنظيمية، وتداخل متطلبات الحياة اليومية للعائلة مع إعداد وجبات البيع، مما يفتح الباب لتلوث الأطعمة أو حفظها بطرق غير علمية في عبوات مستعملة قد تسبب سموماً بكتيرية حادة كخطر “البوتوليزم” (التسمم الممباري) الذي يضرب الجهاز العصبي مباشرة. إن هذا الاستغلال العاطفي لثقة المستهلك بـ “لقمة البيت” يمرر مخاطر صحية حقيقية تحت غطاء العزلة المنزلية التي تمنع فرق التفتيش من الدخول، ليتحول ما يشخصه البعض خطأً على أنه “تلبك معوي” بسيط إلى معركة قاسية يخوضها الجسد ضد الإهمال. لقد بات خيار تناول الطعام من مصادر غير موثوقة أشبه بمجازفة غير محسوبة؛ فاللقمة النظيفة ليست ترفاً، بل هي أبسط الحقوق الإنسانية، وقد آن الأوان لرفع مستوى الوعي وتشديد الرقابة الذاتية والقانونية، ليدرك كل من يلمس طعام الناس أن المسؤولية الأخلاقية لا تتجزأ، وأن صحة البشر خط أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي ذريعة.
وكالة تليسكوب الإخبارية | لما شطاره

