وكالة تليسكوب الاخبارية
ليست الخطورة في أن يمتلك الإنسان منصباً أو سلطة أو ثروة، وإنما في أن تتحول هذه الأشياء إلى شعور بالاستعلاء على الآخرين، وإلى وهمٍ بأن الناس أصبحوا تحت أمره وتصرفه. فالمشكلة لا تبدأ من المنصب أو المال، بل من طريقة استخدامهما ومن الأخلاق والقيم التي تحكم صاحبهما.
وقد يتحول الغرور بالسلطة أو المال إلى سلوك مؤذٍ عندما يفقد الإنسان قدرته على رؤية نفسه بحجمه الحقيقي، فيعتقد أن المنصب ملك شخصي، وأن الموظفين والناس أدوات لتحقيق مصالحه، وأن المال يمنحه الحق في شراء المواقف وإسكات الآخرين أو التأثير فيهم.
أما السادية، بمعناها النفسي، فهي مفهوم مختلف يرتبط بالاستمتاع بإيذاء الآخرين أو إذلالهم، ولذلك لا يصح إطلاقها كتشخيص لمجرد أن شخصاً متسلط أو مغرور. لكن اجتماع التسلط والغرور والقسوة واحتقار الآخرين قد ينتج سلوكاً قريباً من ذلك في آثاره الاجتماعية والإنسانية.
عندما يصبح المنصب امتحاناً للأخلاق
المنصب الحقيقي ليس امتيازاً، بل مسؤولية. وكلما ارتفعت مكانة الإنسان، ازدادت مسؤوليته في احترام الناس وحفظ حقوقهم والإنصات إلى النقد وعدم استغلال النفوذ.
لكن بعض الأشخاص عندما يصلون إلى موقع قوة يتغيرون؛ وقد يكون بالواسطة والمحسوبية والمناطقية فيصبحون أكثر غروراً، وأقل قدرة على تقبل الرأي الآخر، ويعتقدون أن مخالفتهم تعني العداء لهم. وقد يلجأ بعضهم إلى التهديد والوعيد والتخويف بدلاً من الحوار والقانون، وكأن الآخرين أصبحوا ملكاً لهم.
وهنا يبدأ الخطر.
فالإنسان الذي يعتقد أن الآخرين تحت سيطرته يفقد تدريجياً القدرة على فهم الواقع كما هو، ويحيط نفسه بمن يقولون له ما يحب أن يسمعه، فيبتعد عن الحقيقة ويقترب من الوهم.
الكذب والتناقض.. علامات خطيرة
عندما يسيطر الغرور على الإنسان، قد يصبح مضطراً إلى تبرير أخطائه باستمرار، وقد يدفعه ذلك إلى الإنكار أو المبالغة أو تقديم روايات متناقضة لحماية صورته أمام الآخرين.
ولا يعني ذلك أن كل شخص متناقض أو كاذب يعاني مرضاً نفسياً، ولكن الإصرار على الكذب، ورفض الاعتراف بالخطأ، وتهديد الآخرين، واعتبار النفس فوق النقد والقانون كلها سلوكيات خطرة تستحق التوقف عندها ومحاسبتها، خصوصاً إذا صدرت ممن يمتلك سلطة عامة أو مسؤولية تجاه الآخرين.
من الغرور إلى الفساد
ليس كل مغرور فاسداً، وليس كل صاحب سلطة فاسداً، ولكن غياب الرقابة والمساءلة، عندما يقترن بالغرور والشعور بالتفوق، قد يفتح أبواباً واسعة أمام الفساد.
فمن يعتقد أن القانون لا يطبق عليه، وأن منصبه يحميه، وأن المال يستطيع حل كل مشكلة، قد يبدأ بتجاوز صغير ثم يتدرج إلى تجاوزات أكبر.
وهنا تظهر أهمية المؤسسات والرقابة والقانون؛ لأن مكافحة الفساد لا تعتمد على حسن نية الأشخاص وحدها، وإنما على وجود أنظمة تمنع إساءة استخدام السلطة، وتضمن المحاسبة، وتحمي من يتعرض للظلم.
الثروة ليست شهادة تفوق على الآخرين
والمال أيضاً امتحان.
قد يرث الإنسان ثروة، وقد يحصل عليها بعمله وجهده وطرق مشروعة، وقد يصل إليها بطرق غير مشروعة؛ وفي جميع الحالات لا تمنحه الثروة حق إهانة الناس أو التحكم فيهم.
فالمال يمكن أن يشتري منزلاً أو مشروعاً أو خدمة، لكنه لا يشتري الكرامة الحقيقية، ولا يستطيع أن يجعل الإنسان عظيماً إذا كان سلوكه يفتقر إلى الأخلاق.
الثروة الحقيقية هي أن يملك الإنسان المال دون أن يملك المال أخلاقه.
السادي المغرور يعيش في وهم القوة
أخطر ما يصيب الإنسان المتسلط أن يخلط بين الخوف والاحترام.
قد يخاف منك الناس لأنك تملك سلطة، وقد يسكتون لأنك تملك مالاً، وقد يجاملونك لأنهم يحتاجون إليك، لكن ذلك لا يعني أنهم يحترمونك.
والإنسان الذي يبني علاقاته على الخوف والتهديد سيكتشف، عاجلاً أو آجلاً، أن كثيراً ممن حوله لم يكونوا أوفياء له، وإنما كانوا ينتظرون انتهاء سلطته.
فالقوة التي لا يحكمها القانون تتحول إلى ضعف، والسلطة التي لا يحكمها الضمير تتحول إلى عبء، والمال الذي لا ترافقه الأخلاق يتحول إلى مصدر للعداوة.
السقوط يبدأ قبل لحظة السقوط
غالباً لا يسقط المتسلط في اللحظة التي يفقد فيها منصبه؛ سقوطه الحقيقي يبدأ عندما يفقد احترام الناس، وعندما يرفض النصيحة، ويعتقد أنه لا يخطئ، ويستهين بالقانون، ويحيط نفسه بالمنافقين، ويقطع صلته بالواقع.
أما السقوط العلني فهو مجرد النتيجة الأخيرة لمسار طويل من الأخطاء.
ولهذا فإن من يعتقد أن المنصب سيبقى إلى الأبد، أو أن المال سيحميه إلى الأبد، أو أن نفوذه سيمنع عنه الحساب، يعيش وهماً خطيراً.
لا أحد فوق القانو
المجتمع السليم لا ينتقم من أصحاب المناصب أو الثروات، ولا يحاكم الناس بالشائعات، وإنما يحاسبهم بالقانون والأدلة والمؤسسات.
ومن أخطأ يجب أن يُحاسب، ومن ظلم يجب أن يُنصف المظلوم منه، ومن استغل منصبه أو ماله في الإضرار بالآخرين يجب أن يخضع للمساءلة، أياً كان موقعه.
وهذه هي قوة الدولة والمؤسسات: أن يكون القانون فوق الأشخاص، وأن تكون المسؤولية فوق النفوذ، وأن تكون كرامة الإنسان مصونة أمام الجميع.
فالمنصب يرحل، والمال قد يذهب، والنفوذ يتغير، أما السيرة فتبقى.
قد يستطيع الإنسان أن يخدع بعض الناس لبعض الوقت، وقد يستطيع أن يحيط نفسه بالمصفقين، لكنه لا يستطيع أن يخدع التاريخ إلى الأبد.
فمن يجعل السلطة وسيلة لخدمة الناس، يترك وراءه احتراماً وإرثاً طيباً. ومن يجعلها وسيلة للإذلال والسيطرة وتحقيق المصالح الشخصية، فقد يملك القوة لبعض الوقت، لكنه يخسر الإنسان والمجتمع والاحترام.
لا أحد يستمر بالقوة وحدها، ولا أحد يبقى بالغرور وحده.
والسقوط الحقيقي ليس فقدان المنصب أو المال، وإنما أن يفقد الإنسان احترامه لنفسه واحترام الناس له، ثم يجد نفسه وحيداً أمام نتائج اختياراته.
أما التاريخ فلا يخلّد المتسلطين الساديين المغرورين المؤذيين لأنهم امتلكوا القوة، بل يذكرهم بما فعلوا بها؛ فمن أحسن استخدامها بقي أثره، ومن أساء استخدامها أصبح عبرة لمن يأتي بعده.
فالسلطة اختبار، والمال اختبار، والإنسان يُعرف عند امتلاك القوة أكثر مما يُعرف عند امتلاك الضعف.
فلا مال يبقى ولا جاه يبقى. ولا رتب تبقى ويبقى العمل والانجاز والطيبه والذكر الحسن وعدم إيذاء الآخرين
فالكذاب يرحل والمفتري يرحل وكل شىء يرحل ويبقى الصدق والاخلاص والوفاء
ومن يقرأ التاريخ يأخذ عبره
مصطفى محمد عيروط

