وكالة تليسكوب الإخبارية
يدور في أروقة التعليم العالي والأوساط الطبية الأردنية سجال حاد حول مستقبل تخصص الطب البشري، بعد سنوات من تحذيرات متواصلة أطلقتها جهات متوزعة بين وحدة القبول الموحد، وزارة التعليم العالي، جمعية المستشفيات الخاصة، والحملة الوطنية من أجل حقوق الطلبة “ذبحتونا”. إجماع هذه الأطراف كان واضحاً: الطب أضحى من التخصصات “المشبعة جداً والمهددة بالراكدة”، وأن الاستمرار في ضخ آلاف الخريجين يهدد ببطالة طبية غير مسبوقة.
وسط هذا المشهد المتناغم، خرج تصريح أمين سر نقابة الأطباء الأردنية، الدكتور مظفر الجلامدة، متناقضاً مع السائد؛ إذ اعتبر أن أرقام دخول عشرات الآلاف من الأطباء للنقابة مستقبلاً “غير واقعية”، مشيراً إلى أن الحقل الصحي يمتلك قدرة على الاستيعاب عبر الشواغر السنوية والهجرة وبرامج الإقامة.
هذا التباين يطرح تساؤلاً جوهرياً: لماذا يتخذ قيادي في النقابة هذا الموقف منفصلاً عن رواية الدولة والجهات الرقابية والمستشفيات؟ وما الأهداف الخفية أو التكتيكية من وراء هذا الطرح؟
أولاً: أبعاد رواية الدولة والجهات الأخرى (خطر الإشباع)
لتفكيك المشهد، لا بد من فهم موقف الأطراف المنادية بضبط المقاعد:
- التعليم العالي والقبول الموحد: يسعيان إلى تخفيض أعداد المقاعد المخصصة للطب بالجامعات الرسمية للحد من التكدس، وتوجيه الطلبة نحو التخصصات المهنك والتقنية.
- جمعية المستشفيات الخاصة: ترى أن القطاع الخاص له طاقة استيعابية محدودة، وأن زيادة الخريجين تتجاوز القدرة التشغيلية الفعليه للقطاع ومعدلات النمو الاقتصادي.
- حملة “ذبحتونا”: تحذر من تحول التعليم الطبي إلى تجارة على حساب مستقبل الطلبة الذين يواجهون البطالة أو العمل بأجور متدنية بعد سنوات دراسية شاقة ومكلفة.
ثانياً: تفكيك دوافع تصريح أمين سر النقابة
عندما يقلل قيادي نقابي من خطورة الأرقام، فإن خلف ذلك عدة أسباب وتفسيرات هيكلية ونقابية:
- 1. امتصاص الغضب الشعبي واستيعاب أزمة نظام “المسارات”:
مع تقييد خيارات طلبة الحقل الصحي بالثانوية العامة الجديدة، أصبح الطب الملاذ الأساسي لآلاف الطلبة المتفوقين. التصريح يسعى لتهدئة الأهالي والطلبة عبر إرسال رسائل تطمين بأن “الأبواب ليست مغلقة بالكامل”. - 2. الخوف من “تصدير العجز” إلى الخارج:
تستند النقابة إلى حجّة واقعية: تخفيض القبول المحلي بشكل حاد لن يمنع الطلبة من دراسة الطب، بل سيدفعهم نحو جامعات دول أخرى (مصر، إقليم كردستان، شرق أوروبا). هذا السيناريو يعني خروج مئات الملايين من الدنانير سنوياً كأقساط دراسية خارج الاقتصاد الوطني، ليعود هؤلاء الطلبة في النهاية حاملين شهادات طبية ويطالبون بالتسجيل في النقابة نفسها. - 3. حماية الموارد المالية للنقابة:
تعتمد نقابة الأطباء وصناديقها (التقاعد والضمان) بشكل رئيسي على رسوم المنتسبين واشتراكاتهم السنوية. التدفق المستمر للأطباء الجدد يمثل شرياناً مالياً يدعم ديمومة النقابة ومواردها. - 4. إعفاء القطاع من مسؤولية الحل والتأكيد على التوسع:
بدلاً من الإقرار بالبطالة كأمر واقع، تفضل النقابة وضع الكرة في ملعب الدولة، عبر المطالبة بتوسيع برامج الإقامة، زيادة التعيينات في وزارة الصحة، واستحداث مستشفيات جديدة لاستيعاب الأعداد بدلاً من تقليص القبول.
ثالثاً: التناقض مع رواية الدولة.. واقعية أم مناورة؟
يعكس هذا التصريح شرخاً واضحاً بين التخطيط الحكومي والرؤية النقابية:
- منظر الدولة: يركز على الأرقام الصماء؛ مخرجات التعليم مقابل الفرص المتاحة في السوق المحلي.
- منظر النقابة: يراهن على “المتغيرات الديناميكية” مثل سفر الأطباء للعمل بالخليج أو الغرب، والتسرب الوظيفي، متجاهلاً أن الشروط الدولية لمعادلة الشهادات والعمل بالخارج أصبحت أكثر تعقيداً وتشديداً.
الحديث عن أن الأرقام “غير واقعية” يعالج العرض ولا يعالج المرض. إذا كانت الشواغر السنوية لا تتجاوز 3 آلاف فرصة (بين قطاع عام وخاص وإقامة)، بينما يُتوقع تخرج ضعف هذا الرقم سنوياً، فإن الفجوة ستبقى قائمة وتتوسع.
المطلوب اليوم ليس التكذيب أو التهوين من أرقام التحذير، بل الوصول إلى استراتيجية الوطنية موحدة تجمع التعليم العالي والنقابة والقطاع الخاص، لتحديد الأعداد الفعلية المطلوبة، والتوسع في برامج الاختصاص التدريبية، لضمان ألا يتحول “جيش الأطباء” المستقبلي من مفخرة وطنية إلى أزمة بطالة مؤهلة.

