الكرك تنزف والأردن لا ينقسم : بيوتنا بيوت أردنيين قبل أن نكون مسيحيين أو مسلمين

dawoud
6 Min Read


وكالة تليسكوب الإخبارية
لم تكن أحداث الكرك التي شهدتها بلدة حمود، جنوبي الأردن، يوم الجمعة 23 تشرين الأول 2026، مجرد حادثة اعتداء مسلح استهدفت كنيسة أثناء مراسم جنازة، بل كانت جرحاً عميقاً أصاب الضمير الوطني الأردني، وامتحاناً لقيم التعايش والأخوة التي شكّلت على الدوام أحد أعمدة المجتمع الأردني. فقد أسفر الاعتداء عن سقوط ضحايا وإصابة العشرات، تاركاً وراءه عائلات مفجوعة وأسئلة مؤلمة عن قدرة الأفكار المتطرفة على تحويل الإنسان إلى هدف بسبب معتقده الديني. إن استهداف الأبرياء في مكان للعبادة ليس اعتداءً على أبناء طائفة بعينها، بل اعتداء على حق الإنسان في الحياة والأمان والكرامة، وعلى الأردن كله.

إن أخطر ما في التطرف ليس السلاح وحده، بل الفكرة التي تسبقه؛ تلك التي تقنع صاحبها بأن اختلاف الآخر في الدين أو المعتقد يمنحه حق الاعتداء عليه، وأن القتل يمكن أن يصبح فعلاً مشروعاً إذا أُحيط بشعارات دينية. وهنا تكمن المأساة الحقيقية: حين يُستغل اسم الإسلام لتبرير العنف، ويُختطف الخطاب الديني من معانيه الأخلاقية والإنسانية ليصبح أداة للتحريض والإقصاء.

- Advertisement -

إن الإسلام الحقيقي، في جوهر تعاليمه، لا يمنح أحداً تفويضاً للاعتداء على الأبرياء، ولا يجعل حرمة الإنسان مرتبطة بدينه أو طائفته. وقد قرر القرآن الكريم مبدأ حرمة النفس الإنسانية في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. كما أن حماية دور العبادة واحترام حق الآخرين في ممارسة شعائرهم يتنافيان تماماً مع منطق الإرهاب والتكفير والكراهية.

في الأردن، لم تكن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين يوماً مجرد تعايش تفرضه الجغرافيا، بل هي علاقة تاريخ وأخوة وجوار ومصاهرة وعمل ومشاركة في بناء الدولة وصون استقرارها. إنها علاقة تتجلى في تفاصيل الحياة اليومية؛ في البيت الذي يتجاور فيه الأصدقاء، وفي مكان العمل الذي يجمع أبناء الوطن، وفي الأفراح والأتراح التي لا تسأل فيها القلوب عن هوية صاحب المصاب قبل أن تقدم المواساة.

وعندما تتعرض كنيسة للاعتداء، فإن الألم لا ينبغي أن يبقى حبيس جدرانها، كما أن الحزن لا يخص عائلات الضحايا وحدها. إنها لحظة تستدعي أن يشعر كل أردني بأن جزءاً من بيته قد مُسّ، وأن حرمة المكان الذي يلجأ إليه أخوه في الوطن للعبادة لا تقل شأناً عن حرمة بيته ومسجده وكرامته.

إن الأردنيين شركاء في الأرض والتاريخ والمواطنة، ولهم الحق نفسه في الأمن والكرامة والانتماء. ولا يجوز أن تتحول الهوية الدينية إلى معيار لتحديد من يستحق الحماية أو من يُسمح له بالشعور بالأمان.

الكرك التي عرفت معنى الرجولة لا تقبل ثقافة الفتنة

للكرك مكانتها الراسخة في الوجدان الأردني؛ فهي مدينة التاريخ والكرامة والمواقف الوطنية، وأحد الشواهد على أن قوة المجتمع لا تُقاس بغياب المحن، بل بقدرته على مواجهتها دون أن يفقد قيمه أو يسمح للخوف بأن يعيد تشكيل علاقاته.

وفي مواجهة هذه الجريمة، فإن الرسالة الأهم ليست في رفع الشعارات وحدها، بل في حماية النسيج الاجتماعي من أي محاولة لاستثمار الدماء في إثارة الانقسام. فالمجرمون، مهما كانت دوافعهم، لا ينبغي أن يُمنحوا انتصاراً إضافياً عبر نجاحهم في بث الشك بين الجيران أو تحويل الحزن إلى خصومة دينية.

ولا يجوز أن نسمح لخطاب الكراهية، سواء صدر باسم الدين أو الطائفة أو أي انتماء آخر، بأن يجد طريقه إلى بيوتنا ومجالسنا ومنصات التواصل الاجتماعي. فالفتنة لا تبدأ دائماً برصاصة؛ قد تبدأ بكلمة تعميم ظالمة، أو إشاعة غير موثقة، أو تعليق يحمّل جماعة كاملة مسؤولية فعل فرد أو مجموعة.

ومن واجبنا الوطني أن نرفض الجريمة بوضوح، وأن نقف إلى جانب أسر الضحايا والمصابين. فالعدالة لا تتحقق بالانفعال وحده، بل بالأدلة والمساءلة وسيادة القانون.

الأردن أكبر من محاولات التفريق

قد ينجح العنف في حصد الأرواح، وقد تترك الجريمة جراحاً عميقة في قلوب العائلات، لكن ما ينبغي ألا ينجح فيه مرتكبوها هو تحويل الخوف إلى قطيعة، والاختلاف إلى عداوة، والدين إلى جدار يفصل بين أبناء الوطن الواحد.

إن قوة الأردن ليست في ادعاء أن الأزمات لن تقع، بل في القدرة على مواجهتها بالعدالة والوعي والتضامن، وفي رفض كل محاولة لاستغلال الدين أو الهوية أو الألم من أجل تفكيك المجتمع. وهي مسؤولية الدولة ومؤسساتها، كما أنها مسؤولية كل مواطن في بيته وعمله وكلمته وموقفه.

وفي ختام هذه المحنة، تبقى الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل بيت أردني واضحة:

ما بين آذان يرفع وأجراس تدق نحن لسنا جماعات متجاورة تتقاسم أرضاً واحدة، بل مواطنون يجمعهم نفس أردني واحد ووطن واحد وحقوق واحدة وواجبات مشتركة. لا يسأل الأردني عن دين جاره حين يحتاج إليه، ولا أن يتردد في الوقوف إلى جانبه حين يصاب بيته أو مكان عبادته بمكروه.

بيوتنا بيوت الأردنيين قبل أن نكون مسلمين أو مسيحيين، ودماء أبنائنا ليست أرقاماً في خبر، بل أرواح لها حرمتها وعائلات لها حقها في العدالة والإنصاف.

جبر الله قلوب ذوي ضحايا أحداث الكرك، وألهم أسرهم الصبر والقوة، ومنّ على المصابين بالشفاء، وحفظ الأردن وأهله من الفتنة والتطرف والكراهية. وليبقَ وطننا مساحة للكرامة والرحمة والتعايش، وليظل انتماؤنا الأردني جامعاً لنا، لا يستطيع مجرم أن ينتزعه منا، ولا يستطيع خطاب متطرف أن يبدد ما بنيناه معاً عبر التاريخ.

فالأردن قلعة وحصن منيع، لا تُصان وحدته بإنكار الاختلاف، بل بتحويل الاختلاف إلى شراكة في وطن لا يتسع لبعض أبنائه فقط، وإنما يتسع لنا أردنيون وأردنيات ونشامى ونشميات جميعاً.

Share This Article