وكالة تليسكوب الإخبارية – د. محمد العزة
لا تغتال الأوطان فقط عندما تطلق الرصاصات عليها من فوهات البنادق أو المدافع وحدها ، بل تغتال أيضا عندما يضعف اقتصادها، و يتم تضييق سبل العيش على شعوبها، و تشنق أحلام آلاف الشباب والصبايا، فيجد كثيرون منهم أنفسهم على حافة الإحباط من الحاضر، وفقدان الثقة بالمستقبل، في ظل غياب الأفق وتراجع الإنجاز.
تُغتال الأوطان عندما تشعر آلاف العائلات والأسر بالعجز و العوز و قلة الحيلة أمام تراكم الالتزامات وارتفاع كلفة المعيشة، وعندما تتسلل للمجتمع أمراض الطبقية والمحاصصة، وتتعاظم عصبيات الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
وفي ظل هذه الظروف، يبرز سؤال لا بد من طرحه: كيف لمسؤول يتولى موقعا في السلطة أن يركن إلى التراخي، أو يرضى بأداء واجبه في حدوده الدنيا، أو يقبل بإنجاز مهامه دون المستوى المطلوب، وهو يدرك أن هناك ثمة قاتل يسعى إلى اغتيال وطنه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أمنيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعياً؟
الجمعة الماضية ، الموافق 23 تشرين الأول 2026، امتدت يد التطرف والإرهاب إلى أحد بيوت العبادة، حيث ظل الله و اسم المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، وارتكبت مجزرة بشعة وجريمة نكراء في قرية حمود بمحافظة الكرك، أسفرت عن استشهاد تسعة أشخاص من نخب أبناء الأردن والعروبة.
لم تكن الرصاصات التي أطلقت موجهة على أجساد شهداء حمود فقط ، بل أصابت الجسد الأردني من شماله إلى جنوبه، في محاولة لاغتيال وطن بأكمله، وإنسانه، وذاكرته، وتاريخه، واستهداف منظومة أمنه واستقراره.
وعلى الرغم من فظاعة هذا العمل الإجرامي، المدان جملة وتفصيلاً، وما يمثله من فعل جبان تقف خلفه فئة ضالة من خوارج هذا العصر، لا تعرف سوى لغة الدم والفتنة، فإن الجريمة أخفقت في النيل من روح الأردن، روح الوحدة و التضحية العصية على الإرهاب، و الأكبر من أن تنال منها يد الغدر أو أن تكسرها الأفعال الجبانة.
إن استهداف الأردن لا يقف عند حدود سفك الدماء، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة تمزيق أركان الوطن، وضرب أسس دولته ، وعرقلة كل محاولة جادة للمضي قدما في مسارات النهضة والتنمية.
فمن أخفق بالأمس في العزف على أوتار وحدتنا الوطنية، وإشعال موجات التفرقة بين الهويات الفرعية تحت عناوين الأصول والمنابت، ثم إثارة النعرات والخلافات بين العشائر، يحاول اليوم استخدام أدوات أكثر دموية وخطورة، لزرع جرح غائر في جسد الوطن، وزعزعة إيمان الأردنيين بثوابتهم الوطنية، عبر استهدافهم على أسس دينية.
ولكل هؤلاء الجهلة والقتلة، نقول إن هناك حقيقة راسخة لا تقبل التأويل: الأردنيون أبناء وطن واحد، يجمعهم المصير المشترك، تظلهم رعاية الهية مباركة ، وهبت و هيئت لدولتهم قيادة حكيمة ، ارتبطت بإرث ديني هاشمي تاريخي ، تعهد بصون أمن الأردن واستقراره .
فالأردن وطن لا تقوم هويته على التفرقة الدينية أو العرقية أو الجهوية، بل على المواطنة والانتماء والشراكة في الحقوق والواجبات و التعددية السياسية الديمقراطية ، وهو وطن يتسع لجميع أبنائه، بمختلف أديانهم و مكوناتهم ، ما داموا يجتمعون على احترام الدستور وسيادة القانون، والوفاء للوطن، وصون وحدته واستقلال قراره.
إن وحدتنا الوطنية ليست شعارا يرفع في المناسبات، ولا خطابا عاطفيا يستدعى عند الأزمات، بل هي خط الدفاع الأول عن الدولة والمجتمع، و الضمانة الأساسية في مواجهة الإرهاب والفتنة وكل مشروع يستهدف استقرار الأردن ومستقبله.
ومن هنا، فإن جريمة بهذا الحجم، وما قد تحمله من أبعاد وتداعيات تتجاوز فعلها المباشر، تستوجب مراجعة أمنية مؤسسية رفيعة المستوى لدى الجهات المعنية و المختصة، للوقوف على ملابساتها وأسبابها، وتقييم الإجراءات المتخذة، واستخلاص الدروس والعبر، وتعزيز القدرة على اجتثاث الفكر المتطرف من جذوره و تجفيف منابعه لمنع تكرار مثل هذه الجرائم، مع الاحتكام إلى نتائج التحقيقات والأدلة في تحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين، وفقا للقانون.
فنحن لسنا أمام اعتداء على مواطنين آمنين فحسب، بل أمام جريمة تمس أمن المجتمع و طمأنينته، وتستهدف الثقة التي تربط أبناء الوطن بدولتهم و مؤسساتها ، وتحاول إحداث شرخ في جدار الوحدة الوطنية.
إن دماء الأردنيين ليست أرقاما عابرة في نشرات الأخبار أو نماذج الاحصاءات ، هي لوحة شرف و تضحية في سجل محفوظ ، والكرك ليست مجرد بقعة جغرافية على خارطة المملكة ، إنها صفحة أصيلة من صفحات التاريخ الوطني، وركن حصين من أركان الذاكرة الأردنية الجامعة . وأي محاولة لاستهدافها أو النيل من أهلها هي محاولة للنيل من الأردن كله.
لقد علمنا التاريخ أن الأوطان لا تغتال برصاص الإرهاب وحده، بل تستهدف أيضا عندما يراد لأبنائها أن ينجروا خلف فكر هندسة المخططات المشوهة و المشبوهة .
ولذلك، فإن الرد الوطني الحقيقي على هذه الجريمة لا يكون بالانفعال وحده، بل باليقظة و وحدة الصف و الجبهة الداخلية وترسيخ سيادة القانون، ورفض كل أشكال الفتنة والكراهية والتمييز.
إن حماية الوطن مسؤولية لا تتوقف عند الأجهزة الأمنية، على أهمية دورها، بل هي مسؤولية وطنية و مؤسسية ومجتمعية متكاملة ، فالأمن المستدام لا يقوم على المواجهة الأمنية وحدها، و إنما يتعزز أيضا بترسيخ العدالة، وتكافؤ الفرص، وصون كرامة المواطن، وتوفير شروط العيش الكريم ، و محاربة جيوب الفقر و الحد من خطاب الكراهية .
فالأردن أكبر من جريمة، وأرسخ من فتنة، وأبقى من كل من يحاول العبث بمصيره.
وكما حذرنا الراحل ناهض حتر من مخاطر اغتيال الأردن، فإن مسؤوليتنا اليوم تقتضي أن ندرك أن حماية الوطن لا تكون بالشعارات وحدها، بل بالعمل المخلص والمضي في نهج التعددية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
فالوطن الذي نريد حمايته من رصاص الإرهاب، علينا أيضا أن نحميه من الفقر والتهميش، ومن اتساع الفجوة بين المواطنين ، ومن كل ما يضعف شعور الإنسان بأنه شريك حقيقي في وطنه ومستقبله.
إن اغتيال الوطن يبدأ عندما يستباح دمه و تهدر ثرواته و تتعدد الولاءات داخله ، لكن متى تصبح الجريمة متكاملة الأركان ؟ .
عندما يفقد أبناؤه الأمل فيه. ومن هنا، فإن حماية الأردن تتطلب أن نقف معا ، ليظل عصيا على كل محاولات الاستهداف والاختراق بكافة أشكاله و ادواته .
الرحمة للشهداء ، والشفاء للمصابين، والصبر والسلوان لأهلهم وذويهم. وحمى الله الأردن، أرضاً وشعباً وقيادة ، من كل يد غادرة، وكل فكر ضال، وكل مشروع يستهدف أمنه ووحدته واستقراره.
اغتيال وطن

