​بين (تريند) الإفطار وواقع الرصيف.. رمضان الذي لا تُصوره العدسات”

adminT
3 Min Read

وكالة تليسكوب الإخبارية | بقلم : لما شطاره

​في كل عام، تمتلئ الشاشات والصفحات بالحديث عن وصفات الطعام، ومواعيد المسلسلات، وفوائد الصيام الصحية، لكن ثمة رمضان آخر يعيش بيننا، لا يلتفت إليه أحد، ولا تتصدر أخباره منصات التواصل الاجتماعي؛ إنه رمضان “الكواليس” الذي لا يُذكر في المواعظ ولا في برامج الطبخ. هذا العام، يطرق رمضان أبوابنا في قلب فصل الشتاء، لكنه شتاءٌ يرتدي ثوباً من الدفء غير المعتاد، شمسٌ ناعمة تطل بخجل لتكسر حدة البرد، وهواءٌ عليل يرافق الصائمين في نهارهم. ومع هذا الهدوء الجوي الذي يدعو للاسترخاء، يبرز “جنود الظل” الذين تتبدل حيواتهم بالكامل لتستمر حياة الآخرين، فهم المحركون الحقيقيون لاقتصاد رمضان، لكن قصص كفاحهم تذوب خلف ضجيج الإعلانات التجارية الكبرى ، خلف كل “فانوس” يضيء شارعاً، وكل مائدة إفطار جماعية، هناك من يسابق الزمن؛ هل فكرنا يوماً في “عمال التوصيل” الذين يقطعون المسافات تحت هذه الشمس الشتوية الخادعة ليُفطر غيرهم وهم لا يزالون في الطرقات؟ أو في أصحاب المهن الصغيرة والبسطات التي تولد وتختفي في هذا الشهر فقط؟ هؤلاء يخوضون معارك يومية مع “الوقت” و”الرزق الموقوت”؛ فبائع العصائر والقطايف الواقف خلف صاجِهِ الساخن لا يشعر بلطف الجو بقدر ما يشعر بثقل المسؤولية لتأمين قوت يومه في تلك الساعة الذهبية التي تسبق الأذان. إنها اقتصاديات قائمة على “المخاطرة”، حيث يرتهن رزق عائلة كاملة بزبون مستعجل في زحمة السير أو بلحظة عابرة على رصيف مزدحم ، وثمة جانب آخر مسكوت عنه، وهو “الجهد النفسي الخفي” الذي يبذله الموظف البسيط أو العامل في نوبات الغياب عن موائد العائلة. هؤلاء الذين يواجهون ضغوط العمل وهم يحاولون كبح جماح انفعالاتهم، ليس فقط خوفاً من ضياع الأجر، بل احتراماً لسكينة المجتمع. الصيام في هذا الشتاء الدافئ ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل هو تمرين شاق على “إدارة الصمت” وسط عالم يزداد صخباً، ومع ذلك يمر هذا الإنجاز اليومي لملايين البشر دون تقدير، وكأنه تحصيل حاصل. الاعتراف بأن رمضان قد يكون وقتاً منهكاً لبعض الفئات، نفسياً أو جسدياً، هو نوع من “الرحمة” التي غالباً ما ننساها خلف بريق الصور المعلبة ، إن رمضان الحقيقي ليس في المظاهر التي نكررها كل عام، بل في تلك التفاصيل المنسية؛ في الكلمة الطيبة التي قيلت في لحظة تعب، وفي اليد الخشنة التي سُترت بابتسامة لتصنع لنا مائدة ناعمة. إن إنصاف هؤلاء “الجنود” يبدأ من رؤيتهم كأبطال حقيقيين يديرون عجلة الحياة في الظل، ففي المرة القادمة التي تتسلم فيها طلباً أو تمر بجانب بائع على الطريق، تذكر أن خلف هذا المشهد الهادئ قصة كفاح لم تروَ بعد، وأن الدفء الحقيقي في هذا الشتاء ليس في الطقس، بل في تقديرنا لتلك الأرواح التي تعطي بصمت.

- Advertisement -
Share This Article