وكالة تليسكوب الإخبارية – بقلم مؤيد أحمد المجالي
أنا مشترك مدني في مؤسسة الضمان الاجتماعي…
ولست خصماً للعسكري، ولن أكون.
بل إنني أفتخر بكل جندي يقف على الحدود، وكل ضابط يحرس أمن الوطن، وكل فرد في قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية يترك أسرته أياماً وليالي ليبقى الأردن آمناً مستقراً.
العسكري لا يستحق الاحترام فقط… بل يستحق أيضًا أفضل نظام تقاعدي يمكن أن تقدمه له الدولة، ولكن… هنا تبدأ المشكلة؛ فأفضل نظام تقاعدي للعسكري ليس بالضرورة أن يكون على حساب أفضل نظام تأميني للمشترك المدني.
إن الخدمة العسكرية تختلف جذرياً عن الخدمة المدنية؛ فالعسكري قد يُحال إلى التقاعد في سن أصغر بكثير من الموظف المدني، وقد يقضي سنوات أطول متقاعداً يتقاضى راتباً تقاعدياً، كما أن طبيعة عمله تفرض مخاطر وقيوداً والتزامات استثنائية لا يفرضها القانون على الموظف المدني، وهذه الخصوصية ليست محل اعتراض، بل هي سبب وجيه لأن تمنحه الدولة مزايا خاصة.
لكن السؤال الذي لا بد من طرحه هو:
إذا كانت هذه المزايا استثنائية، فلماذا لا تتحمل الدولة كلفتها كاملة؟
لماذا يُطلب من صندوق الضمان الاجتماعي، الذي يقوم على الاشتراكات والتأمين الاجتماعي، أن يستوعب في المظلة نفسها نظاماً مختلفاً في فلسفته وأهدافه؟
المشترك المدني يدفع اشتراكاته طوال سنوات عمله على أساس أن الصندوق سيؤمّن له ولأسرته حقوقاً تأمينية وفق معايير واحدة وأسس اكتوارية عادلة.
فإذا ضم الصندوق فئات تتمتع بشروط تقاعد تختلف جذرياً من حيث سن الإحالة، ومدة صرف الراتب التقاعدي، وطبيعة الاستحقاق، فإن من المشروع أن يُطرح سؤال حول أثر ذلك على التوازن المالي والعدالة بين المشتركين، وأن تُحسم الإجابة عليه بشفافية عبر الدراسات الاكتوارية.
إن القضية ليست منافسة بين المدني والعسكري.
ولا هي اعتراض على حقوق العسكريين.
بل هي مطالبة بأن تتحمل الدولة مسؤولياتها تجاه من اختارتهم لحمل السلاح والدفاع عنها؛ فالعسكري يؤدي خدمة سيادية للدولة، ومن المنطقي أن يكون تمويل نظامه التقاعدي مسؤولية سيادية أيضاً.
إن الجندي لا يجب أن يشعر بأن المجتمع يتذمر من حقوقه، كما أن العامل المدني لا ينبغي أن يشعر بأن أمواله قد تُستخدم لتحمل كلفة نظام لم يُصمم له.
إن الدولة قادرة على حماية الطرفين معاً؛ وذلك بإنشاء صندوق تقاعد عسكري مستقل تموله الخزينة العامة، بحيث تُرصد له الاعتمادات اللازمة سنوياً، وتتحمل الدولة الكلفة الكاملة للمزايا التي قررتها هي لطبيعة هذه الخدمة، عندها سيبقى للعسكري نظام يليق بتضحياته، وسيظل للمدني صندوق تأمين اجتماعي يقوم على العدالة بين المشتركين الذين يخضعون للقواعد ذاتها.
إن الإصلاح الحقيقي لا يكون بتقليص حقوق العسكري، ولا يكون بتحميل المدني أعباءً إضافية… بل بالفصل بين نظامين مختلفين في الفلسفة والغاية والتمويل.
رسالتي اليوم ليست ضد العسكري… بل دفاعاً عنه، ودفاعاً عن العامل المدني في الوقت نفسه، فالحقوق لا تتعارض عندما تتحمل الدولة مسؤولياتها.
أما عندما تختلط الالتزامات، فإن الجميع يشعر بالغبن، ويخسر الجميع الثقة.
لقد حان الوقت لأن نقولها بوضوح:
إن الدفاع عن الوطن مسؤولية الدولة… وتمويل التقاعد العسكري يجب أن يبقى مسؤولية الدولة أيضاً، لا أن يتحول محل جدل داخل نظام تأمين اجتماعي أُنشئ أساساً لحماية المشتركين المدنيين.
إن هذا ليس انحيازاً لفئة على حساب أخرى… بل انحياز للعدالة.
المجالي يكتب : إلى الدولة والضمان .. لا تجعلوا العامل المدني يدفع فاتورة نظام لم يُخلق من أجله

