الأردن .. هل بدأ العد التنازلي؟

dawoud
7 Min Read

وكالة تليسكوب الاخبارية – بقلم الكاتب عماد داود

في التاسع عشر من تشرين الأول، يغلق باب مناقصة لا يعرف اسم صاحبها بعد أحد.

- Advertisement -

1,234 وحدة استيطانية شرق القدس.

تجد طريقها إلى المقاولين قبل أن يجد الناخب الإسرائيلي صندوقه بأسبوع كامل!

وهذه الوحدات ثلث الحكاية فقط: ثمة نحو 3,400 وحدة أخرى مخططة في المنطقة نفسها، منطقة E1.

تزامن كهذا لا يحدث صدفة.

العمران يسبق السياسة بأسبوع كامل!

الاسم الرسمي للمشروع بارد وتقني: E1.

لكن ما يفعله فعليا لا علاقة له ببرود الاسم.

فهذه هي المنطقة التي لو اكتمل تطويرها، انقطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها، وتعقّد الاتصال بين القدس الشرقية ومحيطها الفلسطيني.

ضربة واحدة، موجعة، لفكرة دولة فلسطينية متصلة الجغرافيا.

المناقصة هنا لا تبيع بيوتا.

تبيع وقتا.

وتشتريه، بالتحديد، قبل أسبوع واحد من صندوق الاقتراع.

فالسياسة تتغير في الصندوق، أما الإسمنت فحين يبدأ يترك خلفه واقعا تتوارثه كل الحكومات القادمة، بدل خريطة كانت لا تزال قابلة للتغيير.

وهذه هي الجملة التي تختصر القصة كلها بقسوة: المناقصات لا تنتظر نتائج صناديق الاقتراع.

وبينما يتسابق الإسمنت مع الساعة، يقترب أيضا موعد قد يبدّل اسم من يوقّع القرار القادم.

غادي إيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق، صار أحد أخطر منافسي نتنياهو.

استطلاع «القناة 12» في آب منحه 24 مقعدا مقابل 22 لليكود، وأظهرت استطلاعات أخرى تقدّمه شخصيا على نتنياهو في سؤال من يليق برئاسة الحكومة.

من السذاجة أن نتوقع من رجل خرج من رحم المؤسسة الأمنية مشروع سلام جاهزا في جيبه.

ومن السذاجة، بالقدر نفسه، أن نفترض أن تغيير الاسم في المقعد يعني تلقائيا استمرار كل التفاصيل نفسها.

إيزنكوت ليس وعدا.

لكنه، إن وصل، قد يكون محاورا يعرّف الخطر الإسرائيلي بطريقة مختلفة عمّا اعتدناه.

وهنا، بالضبط هنا، يجب أن يبدأ التفكير الأردني، لا حين يُحسم اسم الفائز.

المطلوب ليس انتظار من يصل إلى الحكم.

المطلوب أن يعرف من يصل إلى الحكم، أيا كان اسمه، حقيقة واحدة لا تحتمل التأجيل: أمن إسرائيل نفسه مربوط باستقرار الأردن، واستقرار الأردن مربوط بمستقبل القضية الفلسطينية، وتحويل الضفة إلى جزر جغرافية منفصلة ينتج أزمة مؤجلة.

وفي قلب أي طاولة قادمة، خط أحمر واحد يختصر كل التفاصيل الأخرى: منع التهجير الجماعي.

فأي تهجير واسع يمسّ الأمن الأردني مباشرة، ويضع معاهدة السلام نفسها أمام اختبار يتجاوز حدود أي أزمة إنسانية عابرة.

وتحت هذا الخط نتيجتان لا تحتملان الجدل: كل تفكك في مؤسسات الحكم الذاتي الفلسطيني يفتح فراغا تملؤه المستوطنات ميدانيا دون حاجة لإعلان ضم جديد، وكل تنسيق أمني إقليمي يفقد معناه إن لم يرافقه أفق سياسي يلمسه الناس على الأرض لا في بيانات القمم وحدها.

والأردن، في هذه المعركة، لا يدخل خالي الوفاض.

لديه أربع أوراق موقّعة بالفعل، لا خطابات.

الورقة الأولى: القانون الدولي.

ففي رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز 2024، خلصت محكمة العدل الدولية إلى أن نقل المستوطنين إلى الضفة الغربية والقدس الشرقية يخالف المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، وأن ممارسات إسرائيل أدت إلى أوضاع تخالف حظر النقل القسري للفلسطينيين، وأن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي المحتلة غير قانوني، ودعت إلى وقف كل نشاط استيطاني جديد.

هذا ليس خطابا. هذا حكم يرفع أي تهجير قسري من خلاف سياسي إلى مسؤولية قانونية دولية.

الورقة الثانية: نص المعاهدة نفسها.

فالمادة الخامسة والعشرون من معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية تُبقي حقوق كل طرف وواجباته تجاه المنظومة الأممية كما هي، دون أن تمسها المعاهدة بأي شكل.

والمفارقة تستحق أن تُقال بصوت مرتفع: الورقة التي يخشى البعض أن يتحدث الأردن باسمها هي نفسها التي تمنحه حق الكلام!

الورقة الثالثة: القدس نفسها.

فالمادة التاسعة من المعاهدة تنص على احترام إسرائيل للدور الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في المقدسات الإسلامية بالقدس، وعلى إعطاء هذا الدور أولوية في مفاوضات الوضع الدائم.

أي مساس بهذا الدور مساس بركن من أركان الحضور الأردني في ملف القدس ذاته.

الورقة الرابعة: الموقف الإقليمي.

ففي 21 آب، رفض وزراء خارجية ثماني دول، بينها الأردن ومصر والسعودية والإمارات وقطر وتركيا وإندونيسيا وباكستان، مخطط E1 وأنشطته الاستيطانية، وحذّروا من تغيير الطابع الجغرافي والديموغرافي للأرض المحتلة.

ثماني عواصم في وثيقة واحدة تعني أن الملف تجاوز حدود عمّان وتل أبيب، ليصبح سؤالا إقليميا عن شكل المنطقة بعد الحرب!

لكن في هذه الورقة الرابعة نقطة ضعف: فهي تستند، في جزء منها، إلى ترتيبات أمريكية مقترحة لم تتحول بعد إلى آليات فعلية.

أما المعاهدة ورأي محكمة العدل الدولية، فهما موجودان الآن، بلا شرط ولا وعد بالتنفيذ.

وهنا يظهر الفرق الحاسم بين الوعد والورقة: الوعد يحتاج من ينفذه، والورقة الموقعة تبقى قائمة حتى يتغير أصحاب التوقيع.

ويبقى الطرف الفلسطيني أمام سؤاله الأصعب: ماذا يفعل حين يُقطَّع جسده الجغرافي قطعة بعد قطعة؟

لا يستطيع الأردن أن يكتب فصلا يخص أرضا وشعبا ليسا أرضه ولا شعبه.

لكنه يستطيع أن يقول بصوت واضح: الفراغ السياسي الفلسطيني ليس تفصيلا يُترك لأجل غير مسمى، لأن الفراغ على الأرض لا يبقى فراغا طويلا.

هناك من يملؤه كل يوم.

وسؤال أوسلو ما زال معلقا فوق كل هذا المشهد: ماذا يبقى من معنى الحكم الذاتي إن استمرت الأرض التي يفترض أن يتحرك فوقها في الانكماش؟

في التاسع عشر من تشرين الأول، حين يغلق باب المناقصة، سينشغل كثيرون بعدد الوحدات التي اقتربت من البناء أكثر من انشغالهم باسم من سيفوز بعد أسبوع.

والسؤال الحقيقي مختلف تماما: ماذا سيكون قد ثبت على الأرض في التاسع عشر، قبل أن يعرف أحد اسم الفائز في السابع والعشرين؟

المناقصات لا تنتظر صناديق الاقتراع.

والقانون الدولي يمنح من يتمسك به سندا للمطالبة بوقف تغيير الوقائع، لا وعدا بأن يوقفها وحده.

فالأردن يملك المعاهدة، ويملك رأي المحكمة، ويملك الدور الهاشمي في القدس، ويملك موقفا إقليميا موثقا بثماني توقيعات.

ويبقى سؤال واحد لا تستطيع كل هذه الأوراق أن تجيب عنه نيابة عن أصحاب القرار: متى تُستخدم الورقة؟

فالخريطة لا تكتمل دائما بيد من يرسمها.

أحيانا تكتمل بصمت من كان يملك القدرة على إيقاف الرسم، ولم يفعل.

emadawoud@yahoo.com

https://emad-dawoud.netlify.app

Share This Article